وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَصِيَّةً} فَإِنَّ نَصْبَهُ مِنْ قَوْلِهِ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} وَسَائِرُ مَا أَوْصَى بِهِ فِي الِاثْنَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: {وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} مَصْدَرًا مِنْ قَوْلِهِ: {يُوصِيكُمْ} وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: ذَلِكَ مَنْصُوبٌ مِنْ قَوْلِهِ: {فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} , {وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} قَالَ: هُوَ مِثْلُ قَوْلِكَ: لَكَ دِرْهَمَانِ نَفَقَةً إِلَى أَهْلِكَ.
وَالَّذِي قُلْنَاهُ بِالصَّوَابِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُهُ افْتَتَحَ ذِكْرَ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ فِي
هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} أَخْبَرَ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ وَصِيَّةٌ مِنْهُ بِهِ عِبَادَهُ، فَنَصْبُ قَوْلِهِ: {وَصِيَّةً} عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ قَوْلِهِ: {يُوصِيكُمْ} أَوْلَى مِنْ نَصْبِهِ عَلَى التَّفْسِيرِ مِنْ قَوْلِهِ: {فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} لِمَا ذَكَرْنَا. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} عَهْدًا مِنَ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فِيمَا يَجِبُ لَكُمْ مِنْ مِيرَاثِ مِنْ مَاتَ مِنْكُمْ {وَاللَّهُ عَلِيمٌ}
يَقُولُ: ذُو عِلْمٍ بِمَصَالِحِ خَلْقِهِ وَمَضَارِّهِمْ، وَمَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْطَى مِنْ أَقْرِبَاءِ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ وَأَنْسِبَائِهِ مِنْ مِيرَاثِهِ، وَمَنْ يُحْرَمُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَمَبْلَغِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ كُلُّ مَنِ اسْتَحَقَّ مِنْهُمْ قَسْمًا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ عِبَادِهِ وَمَصَالِحِهِمْ {حَلِيمٌ}
يَقُولُ: ذُو حِلْمٍ عَلَى خَلْقِهِ، وَذُو أَنَاةٍ فِي تَرْكِهِ مَعَاجَلَتَهُمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى ظُلْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فِي إِعْطَائِهِمُ الْمِيرَاثَ لِأَهْلِ الْجَلَدِ وَالْقُوَّةِ مِنْ وَلَدِ الْمَيِّتِ وَأَهْلِ الْغِنَاءِ وَالْبَأْسِ مِنْهُمْ، دُونَ أَهْلِ الضَّعْفِ وَالْعَجْزِ مِنْ صِغَارِ وَلَدِهِ وَإِنَاثِهِمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) }
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِهِ: تِلْكَ شُرُوطُ اللَّهِ.