ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي عَدَدِ الْإِخْوَةِ الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} فَقَالَ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ زَمَانٍ: عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} اثْنَيْنِ كَانَ الْإِخْوَةُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُمَا، أُنْثَيَيْنِ كَانَتَا أَوْ كُنَّ إِنَاثًا، أَوْ ذَكَرَيْنِ كَانَا أَوْ كَانُوا ذُكُورًا، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى. وَاعْتَلَّ كَثِيرٌ مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ بِأَنَّ ذَلِكَ قَالَتْهُ الْأُمَّةُ عَنْ بَيَانِ اللَّهِ جَلَّ ثناؤُهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَقَلَتْهُ أُمَّةُ نَبِيِّهِ نَقْلًا مُسْتَفِيضًا قَطَعَ الْعُذْرَ مَجِيئُهُ، وَدَفَعَ الشَّكَّ فِيهِ عَنْ قُلُوبِ الْخَلْقِ وُرُودُهُ.
وَرُوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: بَلْ عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} جَمَاعَةً أَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ، وَكَانَ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ حَجَبَ الْأُمَّ عَنْ ثُلُثِهَا مَعَ الْأَبِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ إِخْوَةٍ، فَكَانَ يَقُولُ فِي أَبَوَيْنِ وَأَخَوَيْنِ: لِلْأُمِّ الثُّلُثُ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَبَوَيْنِ وَأَخٍ وَاحِدٍ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} اثْنَانِ مِنْ إِخْوَةِ الْمَيِّتِ فَصَاعِدًا، عَلَى مَا قَالَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، لِنَقْلِ الْأُمَّةِ وَرَاثَةَ صِحَّةِ مَا قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ عَنِ الْحُجَّةِ وَإِنْكَارِهِمْ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ فِي الْأَخَوَيْنِ إِخْوَةٌ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ لِلْأَخَوْيِنِ فِي مَنْطِقِ الْعَرَبِ مِثَالًا لَا يُشْبِهُ مِثَالَ الْإِخْوَةِ فِي مَنْطِقِهَا؟