وأما الآية الثانية من سورة براءة ففيها:"والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار"وسبقية هؤلاء رضوان الله عليهم وما عرف من حالهم وأنهم صفوة المحسنين من هؤلاء الأمة معلوم ملحق لهم بنمط الأعلين من الصادقين من أتباع الرسل فلما كان المشار إليهم فِي الآيتين هم الأسوة والقدوة لمن سواهم ناسب حالهم الإطناب فذكر الرضا والتأييد ولم يقع فِي الآيات البواقى وصف يلحق أصحابه بهؤلاء وإن شملهم الرضا والخلود فِي الجنة لكن تحديد الذكر والإفصاح بالمقدر المفهوم من سياق الكلام وعمومه له حكم قد بين فِي نحو قوله:"وجبريل وميكائيل"وبابه.
وأما الآية البريئة فإنها على حكم مقتضى الترتيب الثابت آخر آية ذكر فيها حال المؤمنين فِي الجزاء الأخراوى معقبا به ذكر جزاء من كان فِي طرف من حالهم من مستوجبى النار على التأييد فكانت هذه الآية مظنة استيفاء للحال فوردت ورود الآيتين قبلها.
والسؤال الثالث وهو ما وجه تخصيص الآيات الأربع: آية المائدة والثانية من سورة براءة وآية الطلاق وآية البريئة بذكر التأييد مع الخلود فقيل:"خالدين أبدا". ولم يقع ذلك فِي البواقى ؟
والجواب عن ذلك: استدعاء هذه المواضع الأربعة ذكر ذلك. أما آية المائدة وثانية براءة فلما بنيتا عليه من الإطناب ، ولما حمل فيهما على جمع التأييد والرضا حسبما تقدم فِي السؤال قبل هذا ، وأما آية الطلاق فوجه ذكر التأييد فيها ما تكرر فِي هذه السورة من ذكر غايات بينها قوله تعالى:"قد جعل الله لكل شيء قدرا"فلما أشارت آى السور إلى غايات ونهايات ناسب ذلك التعريف بأن خلود الجنة متأبد لا انتهاء له ولم يجمع بينه وبين ذكر الرضا إذ لم يجتمع لمن ذكر هنا ما اجتمع لأولئك الموصوفين فِي آية المائدة وثانية براءة ولم يبلغوا مبلغهم.