قال الطَّيبي: فسر صاحب الكشاف هذه الآية بوجوه ثلاثة، وقدر الشرط والجزاء على
ما يعطيه الوجه من المعنى: أولها: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها
فخافوا أيضاً ترك العدل بين النساء فقللوا عدد المنكوحات، وثانيها: إن خفتم الجور في
حق اليتامى فخافوا الزنا فانكحوا ما حلَّ لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات،
وثالثها: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم.
قال صاحب الانتصاف: هذا أظهر والآية معه تكملة لبيان حكم اليتامى وأمر بالاحتياط
وأنَّ في غيرهن متسع، ويؤيده (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ...) الآية
فتتطابق الآيتان، وعلى التأويلين الأوليين لا يتطابقان ولأنَّ الشرط لا يرتبط معهما
بالجواب إلا من وجه عام، أما الأول: فلأنَّ الجور على النساء في الحرمة كالجور على
اليتامى، وأما الثاني: فلأن الزنا محرم كما أن الجور على اليتامى محرم وكم من محرم
يشاركهما في التحريم فلا خصوصية تربط الجواب كخصوصية الثالث.
قلت: ولهذا صدر المؤلف بالثالث إشارة إلى ترجيحه.
ثم قال ابن المنير: ثم ظاهر قوله (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) أنه توسعة عليهم كأنه قيل: إن
خفتم من نكاح اليتامى ففي غيرهن متسع، وعلى الأول هو تضييق كأنه قال: إن خفتم
من الجور في اليتامى فخافوا من الجور في النساء فاحتاطوا في عدد المنكوحات فينافي
التوسعة ووجه الإشعار بالتوسعة إطلاق (مَا طَابَ) ، ثم في قوله تعالى (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) بياناً لما وقع إطلاقه فلو أراد التضييق كان البدأة بالتقييد أنسب، وفي
لفظ الطيب إشعار بالترخص ولما خاف من التوسعة الميل قال (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) .
قال الطَّيبي: هذا تقرير لا مزيد عليه. اهـ
قوله: (روي أن اللَّه تعالى لما عظم أموال اليتامى - إلى قوله - فنزلت) .