بل الأمر فيها دون ذلك وأقرب وأخف وألطف وذلك أنَّ لحمزة أن يقول لأبي
العباس: لم أحمل الأرحام على العطف على المجرور المضمر بل اعتقدت أن يكون فيه
باء ثانية حتى كأني قلت: (وبالأرحام) ثم حذفت الباء لتقدم ذكرها أيضاً في نحو
قولك: بمن تمرر أمرر، فإذا جاز للفرزدق أن يحذف حرف الجر لدلالة ما قبله عليه مع
مخالفته في الحكم له في قوله:
وإني من قوم بهم تتقي العدا... ورأب الثأي والجانب المتخوف
أي: وبهم رأب الثأي، فحذف الباء في هذا الموضع لتقدمها في قوله (بهم يتقي العدا)
وإن كانت حالاهما مختلفين، ألا ترى أن الباء في قوله (بهم يتقي العدا) منصوبة
الموضع لتعلقها بالفعل الظاهر الذي هو (يتقي) كقولك: بالسيف يضرب زيد، والباء
في قوله (وبهم رأب الثأي) مرفوعة الموضع عند (قوم) وعلى كل حال فهي متعلقة
بمحذوف ورافعة للرأب، ونظائر هذا كثيرة كان حذف الباء من قوله (والأرحام)
لمشابهتها الباء في (به) موضعاً وحكماً أجدر. اهـ
وقال ابن يعيش في شرح المفصل: ضعف أكثر النحويين قراءة حمزة (والأرحام)
نظراً إلى العطف على المخفوض، وقد ردها أبو العباس المبرد وقال: لا تحل القراءة
بها، وهذا القول غير مرضي منه لأنه قد رواها إمام ثقة فلا سبيل إلى رد نقل الثقة، مع
أنه قد قرأ بها جماعة من غير السبعة كابن مسعود وابن عباس وإبراهيم النخعي والأعمش
والحسن البصري وقتادة ومجاهد، فإذا صحت الرواية لم يكن سبيل إلى ردها، ويحتمل
غير العطف على المكنى المخفوض وهو أن يكون اعتقد أنَّ فيه باء ثانية حتى كأنه قال:
وبالأرحام، ثم حذف الباء لتقدم ذكرها نحو قولك: بمن تمر أمر وعلى من تنزل أنزل،
وقد كثر عندهم حذف حرف الجر، وقد مشى عليه أيضاً الزمخشري فقال في أحاجيه:
ومحمل قراءة حمزة (تسألون به والأرحام) على حذف الجار سديد لأن هذا المكان قد
شهر بتكرير الجار فقامت الشهرة مقام الذكر. اهـ