قال العلامة القرطبي:"واختلفوا في الحجر على الكبير ، فقال مالك وجمهور الفقهاء يحجر عليه ، وقال أبو حنيفة: لا يحجر على من بلغ عاقلاً إلاّ أن يكون مفسداً لماله ، فإذا كان كذلك منع من تسليم المال إليه حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة ، فإذا بلغها سلم إليه بكل حال ، سواء كان مفسداً أو غير مفسد لأنه يصير جَدّاً ، وأنا أستحيي أن أحجر على من يصلح أن يكون جداً".
أقول: الصحيح ما ذهب إليه الجمهور ، وهو مذهب الصاحبين (أبي يوسف ومحمد) أيضاً ، ولا عبرة بكبر السن فرب رجل يبلغ الخمسين من العمر وهو سفيه الحلم يسرف ماله ويبذره فيجب الحجر عليه ، وذلك أن الصبي إنما منع من ماله لفقد العقل الهادي إلى حفظ المال ، وكيفية الانتفاع به ، فإذا كان هذا المعنى قائماً بالشيخ والشاب ، كانا في حكم الصبي فوجب أن يمنع دفع المال إليه ما لم يؤنس منه الرشد لظاهر الآية الكريمة .
وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما:"إن الرجل لتنبت لحيته ويشيب وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء فيها".
الحكم الرابع: هل يباح للوصي أن يأكل من مال اليتيم ؟
دلّ قوله تعالى: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف} على أن للوصي أن يأكل من مال اليتيم إذا كان فقيراً بمقدار الحاجة من غير إسراف ، وإذا كان غنياً وجب عليه أن يتعفف عن مال اليتيم ، ويقنع بما رزقه الله من الغنى ، وقد اتفق العلماء على جواز أخذ قدر الكفاية بالمعروف عند الحاجة واختلفوا هل عليه الضمان إذا أيسر ؟
فذهب بعضهم إلى أنه لا ضمان عليه لأن الله تعالى أباح له الأكل بالمعروف فكان هذا مثل الأجرة ، وهذا مروي عن الإمام أحمد رحمه الله .