وقد اتفق الفقهاء على أن الصغير لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ سنّ الاحتلام ، ويؤنس منه الرشد لقوله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} فقد شرطت الآية شرطين: الأول: البلوغ ، والثاني: الرشد وهو حسن التصرف في المال ، وقال الشافعي: لا بدّ أن ينضم الصلاح في الدين ، مع حسن الصلاح في المال ، فالفاسق يحجر عليه عند الشافعي خلافاً لأبي حنيفة .
وسبب الخلاف يرجع إلى معنى (الرشد) وقد نقل ابن جرير أقوال السلف في تفسير الرشد كقول مجاهد هو (العقل) وقول قتادة هو الصلاح في (العقل والدين) وقول ابن عباس هو (الصلاح في الأموال) ثم قال:
"وأولى هذه الأقوال عندي في معنى الرشد (العقل وإصلاح المال) لإجماع الجميع على أنه إذا كان كذلك لم يكن ممن يستحق الحجر عليه في ماله ، وحوز ما في يده عنه وإن كان فاجراً في دينه".
أقول: ليس كل فاسق يحجر عليه لأن في الحجر إهداراً للكرامة الإنسانية ، وإنما يقال: إذا كان فسقه ممّا يتناول الأموال المالية ، كإتلاف المال بالإسراف في الخمور والفجور وجب الحجر عليه ، وإن كان يتعلق بأمر الدين خاصة كالفطر في رمضان مثلاً فلا يجب الحجر ، وهذا هو نفس ما رجحه شيخ المفسرين الطبري وأرشدت إليه الآية الكريمة بطريق الإشارة ، حيث جاء لفظ الرشد منكّراً ، {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} أي نوعاً من الرشد وهو حسن التصرف في أمور المال ، ولم يأت معرفاً والمقصود الأكبر في هذا الباب إنما هو الرشد الذي ينافي الإسراف في المال ، فما اختاره ابن جرير قوي من هذه الوجهة والله أعلم .
الحكم الثالث: هل يحجر على الكبير ؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن الكبير يحجر عليه كما يحجر على الصغير إذا كان سفيهاً .
وذهب أبو حنيفة إلى أن من بلغ خمساً وعشرين سنة سلّم له ماله سواءً كان رشيداً أو غير رشيد .