وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْقِرَاءَاتِ إِذَا اخْتَلَفَتْ فِي الْأَلْفَاظِ وَاتَّفَقَتْ فِي الْمَعَانِي، فَأَعْجَبُهَا إِلَيْنَا مَا كَانَ أَظْهَرَ وَأَشْهَرَ فِي قِرَاءَةِ أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ} فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ؛ فَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّمَا عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ} أَوْلِيَاءَ السُّفَهَاءِ، لَا أَمْوَالَ السُّفَهَاءِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: مَعْنَى ذَلِكَ: وَارْزُقُوا أَيُّهَا النَّاسُ سُفَهَاءَكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ طَعَامَهُمْ، وَمَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ مِنْ مُؤَنِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ.
وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ} أَمْوَالَكُمْ أَمْوَالَ السُّفَهَاءِ أَنْ لَا يُؤْتِيهِمُوهَا أَوْلِيَاؤُهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ} وَارْزُقُوا أَيُّهَا الْوُلَاةُ وُلَاةَ أَمْوَالِ سُفَهَاءَكُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، طَعَامَهُمْ وَمَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مُؤَنِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ. وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَمَّا الَّذِي نَرَاهُ صَوَابًا فِي قَوْلِهِ: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ} مِنَ التَّأْوِيلِ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَدَلَّلْنَا عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ..
فَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ} عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْلِهِ: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ} وَأَلِّفُواعَلَى سُفَهَائِكُمْ مِنْ أَوْلَادِكُمْ وَنِسَائِكُمُ الَّذِينَ تَجِبُ عَلَيْكُمْ نَفَقَتُهُمْ مِنْ طَعَامِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ فِي أَمْوَالِكُمْ، وَلَا تُسَلِّطُوهُمْ عَلَى أَمْوَالِكُمْ فَيُهْلِكُوهَا، وَعَلَى سُفَهَائِكُمْ مِنْهُمْ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْكُمْ نَفَقَتُهُ، وَمِنْ غَيْرِهِمُ الَّذِينَ تَلُونَ أَنْتُمْ أُمُورَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مُؤَنِهِمْ فِي طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ مِنَ الْحُكْمِ فِي قَوْلِ جَمِيعِ الْحُجَّةِ، لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ مَعَ دَلَالَةِ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ عَلَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ.