يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} وَخَلَقَ مِنَ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ زَوْجَهَا؛ يَعْنِي بِـ «الزَّوْجِ» الثَّانِي لَهَا وَهُوَ فِيمَا قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ: امْرَأَتُهَا حَوَّاءُ
عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} قَالَ:"حَوَّاءُ مِنْ قُصَيرَى آدَمَ وَهُو نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظَ فَقَالَ: «أَثَا» بِالنَّبَطِيَّةِ امْرَأَةٌ"
وعَنْ قَتَادَةَ: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}
يَعْنِي حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ آدَمَ مِنْ ضِلَعٍ مِنْ أَضْلَاعِهِ""
وعَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ:"أُسْكِنَ آدَمُ الْجَنَّةَ، فَكَانَ يَمْشِي فِيهَا وَحْشًا لَيْسَ لَهُ زَوْجٌ يَسْكُنُ إِلَيْهَا؛ فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ فَإِذَا عِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأَةٌ قَاعِدَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ مِنْ ضِلْعِهِ، فَسَأَلَهَا مَا أَنْتَ؟ قَالَتِ امْرَأَةَ، قَالَ: وَلِمَ خُلِقْتِ؟ قَالَتْ: لِتَسْكُنَ إِلَيَّ"
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} فَإِنَّهُ يَعْنِي وَنَشَرَ مِنْهُمَا يَعْنِي مِنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ {رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} قَدْ رَآهُمْ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: {كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} يُقَالُ مِنْهُ: بَثَّ اللَّهُ الْخَلْقَ وَأَبَثَّهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ}
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ عَامَّةُ قُرَّاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: (تَسَّاءَلُونَ) بِالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنَى: تَتَسَاءَلُونَ، ثُمَّ أَدْغَمَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي السِّينِ، فَجَعَلَهُمَا سِينًا مُشَدَّدَةً، وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: {تَسَاءَلُونَ} بِالتَّخْفِيفِ عَلَى مِثَالِ تَفَاعَلُونَ، وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ، وَلُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ، أَعْنِي التَّخْفِيفَ وَالتَّشْدِيدَ فِي قَوْلِهِ: {تَسَاءَلُونَ بِهِ} ، وَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ أَصَابَ الصَّوَابَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِأَيِّ وَجْهَيْهِ قُرِئَ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ.