ولما كانت هاتان الحالتان الإسراف ومسابقة كبر اليتيم ببعض التصرف من مواطن الضعف التي تعرض للإنسان نهى الله عنهما، ونبه الأولياء إلى خطرهما حتى يراقبوا ربهم إذا عرضتا لهم، أما الأكل من مال اليتيم بلا إسراف ولا مبادرة خوفَ أخذها عند البلوغ، فقد ذكر الله تعالى حكمه بقوله: {وَمَنْ كَانَ} منكم أيها الأولياء {غَنِيًّا} ؛ أي: غير محتاج إلى شيء من مال اليتيم الذي تحت ولايته {فَلْيَسْتَعْفِفْ} ؛ أي: فليعف نفسه عن الأكل من ماله، وليتنزه عن أكله، وليقنع بما آتاه الله من الرزق، إشفاقًا على اليتيم، وإبقاءً على ماله، ولا ينقص منه شيئًا قليلًا ولا كثيرًا {وَمَنْ كَانَ} منكم {فَقِيرًا} ؛ أي: محتاجًا لا يستغنى عن الانتفاع بشيء من مال اليتيم الذي يشغل بعض وقته في تثميره، وحفظه {فَلْيَأكُلْ} منه {بِالْمَعْرُوفِ} شرعًا، وعند الناس وهو ما يبيحه الشرع، ولا يستنكره أرباب المروءة، ولا يعدونه خيانةً، وطمعًا، وقيل: {بِالْمَعْرُوفِ} ؛ أي: بقدر أجرة خدمته لليتيم، وعمله في ماله، وقيل {بِالْمَعْرُوفِ} ؛ أي: بالقرض، ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات، ولم يقدر على القضاءِ، فلا شيء عليه، وهذا قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وأبي العالية، وهذا القرض في أصول الأموال، أما نحو ألبان المواشي، واستخدام العبيد، وركوب الدواب، فمباح لنحو الوصي، إذا كان غير مضر بالمال، وهذا قول أبي العالية وغيره، وإنما خص الأكل بالذكر؛ لأنه أعم وجوه الانتفاعات، ومحل ذلك في غير الحاكم، أما هو: فليس له ذلك لعدم اختصاص ولايته بالمحجور عليه، بخلاف غيره، حتى أمينه كما صرح به المحاملي، وله الاستقلال بالأخذ منه من غير مراجعة الحاكم، ومعلوم أنه إذا نقصت أجرة الأب، أو الجد، أو الأم إذا كانت وصية عن نفقتهم، وكانوا فقراء يتمونها من مال محجورهم؛ لأنها إذا وجبت بلا عمل فمعه أولى، ولا يضمن المأخوذَ؛ لأنه بدل عمله. قال ابن جرير: إن الأمة مجمعة على أن مال اليتيم ليس