وَتَنَاسَ اَلْفَنّ وَمَا تَكْبُر مِنْ أَمْره فَفِي اَلنَّاس مَنْ لَمْ يَسْتَبِين ذَلِكَ بَعْد وَحَدَّقَ فِي
اَلْمَدَارِس وَالتَّعْلِيم فِيهَا أُولَئِكَ اَلْمُدَرِّسُونَ لِلْمَوَادِّ اَلْمُخْتَلِفَة لَا يُحْسِنُونَ لُغَتهمْ
وَلَا يُحْسِنُونَ اَلْإِبَانَة فَهُمْ عَوَامّ فِي شَرْحهمْ وَتَلْقِينهمْ وَهُمْ أَشْبَاه عَوَامّ فِي
تَأْلِيفهمْ وَعَرْضهمْ وَهُمْ لَا يُلْقُونَ لِتَلَامِيذِهِمْ وَطُلَّابهمْ حَقَائِق نَيِّرَة بَيِّنَة و لَيْسَ ذَلِكَ
فَحَسْب بَلْ هُمْ يُبْرِمُونَ بِاللُّغَةِ وَيَتَأَفَّفُونَ مِمَّنْ يَرْجُو لَدَيْهِمْ بَيَانًا بِهَا أَوْ صِحَّة
تَعْبِير فَإِذَا هُمْ يُرَكِّزُونَ فِي نُفُوس اَلتَّلَامِيذ كَرَاهِيَة اَللُّغَة اَلْقَوْمِيَّة. إِنْ لَمْ
أَقُلْ اِحْتِقَارهَا وَهُمْ يَمْلَئُونَ اَلصُّدُور بِمَا يُخَلِّيهَا مِنْ اَلشُّعُور اَلذَّاتِيّ وَالْإِحْسَاس
اَلْقَوْمِيّ وَإِذَا اَلْحَلْقَة اَلْمُفَرَّغَة تَزِيد ضَيِّقًا وَتُعَنِّف خَنْقًا وَإِذَا اَلْوَحْدَة
اَلِاجْتِمَاعِيَّة تَزْدَاد تَصَدُّعًا كَلِمَات اِزْدَادَتْ اَلْأَهْوَاء تُفَرِّقَا وَالْأَمْزِجَة تَبَايُنًا -
وَكُلَّمَا وَهَنَ المساك اَلْمُشْتَرَك مِنْ اَللُّغَة تَصِل اَلنُّفُوس وَتَرْبُط اَلْقُلُوب حِين نَشْكُو
أَلَمهَا وَتَعْشَق أَمَلهَا وَتُوَحِّد مِثْلهَا لَإِنْ بِالْإِغْوَاءِ اَللُّغَوِيّ أَشَدّ مَا يَكُون حَائِلًا
دُون ذَلِكَ كُلّه.
وَبِحَسْبك هَذَا طَرَفًا مِنْ بَيَان. لَا يَتَّسِع اَلْمَدَى سَائِره وَهُوَ جَدّ كَافٍ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ
اَلْأَزْمَة اَللِّسَانِيَّة لَيْسَتْ إِلَّا أَزْمَة اِجْتِمَاعِيَّة وَعِلْمِيَّة تَعْلِيمِيَّة وَفَنِّيَّة حَيَوِيَّة وَهِيَ
بِبَعْض ذَلِكَ خَلِيفَة بِأَنْ تَكُون ازة وَطَنِيَّة سِيَاسِيَّة تَهُزّ اَلْكِيَان اَلِاجْتِمَاعِيّ كُلّه
وَهَكَذَا تَكُون قَضَايَا اَللُّغَة اَلْعَرَبِيَّة اَلْحَدِيثَة فِي حَيَاة اَلْأُمَم اَلْعَرَبِيَّة مُشْكِلَات
وَأَكْبَر مِنْ مُشْكِلَات لَوْ ساعف اَلتَّعْبِير فِي غَيْر سرف وَمَا بَذَلَتْهُ وَمَا تَبْذُلهُ تِلْكَ
اَلْأُمَم فِي سَبِيلهَا وَاسْتِشْفَاء يُؤَكِّد ذَلِكَ وَيَجْلِيه كَمَا سَنَرَى.
وَتَقْدِيرنَا لِذَلِكَ كُلّه هُوَ مَا نَرْجُو أَنْ يَدْفَعنَا فِي هَذِهِ اَلْمُحَاضَرَات إِلَى المنزع
اَلْعِلْمِيّ اَلْإِيجَابِيّ بَعْد اَلْمَنْهَج اَللُّغَوِيّ اَلسَّلِيم اَلْمُحَرِّر فَلْنَتَقَدَّمْ عَلَى ذَكَر مِنْ هَذِهِ
اَلْأَهَمِّيَّة لِنَتَحَدَّث عَنْ مُشْكِلَات حَيَاتنَا اَللُّغَوِيَّة أَوْ قَضَايَا اَللُّغَة اَلْعَرَبِيَّة اَلْحَدِيثَة
خُطَّة
وَلَقَدْ يَظُنّ أَنْ أَبْدَأ بِسَرْد هَذِهِ اَلْمُشْكِلَات وَتَرْتِيبهَا. ثُمَّ تَنَاوَلَهَا وَاحِدَة وَاحِدَة
فَأَقُول مَثَلًا:
إِنَّ مِنْ تِلْكَ اَلْمُشْكِلَات جُمُود هَذِهِ اَللُّغَة اَلَّذِي يَحُول بَيْنهَا وَبَيْن اَلْوَفَاء بِمَطَالِب
اَلْحَيَاة اَلْمُتَجَدِّدَة فَكَيْفَ تَرُدّ إِلَى اَلنَّمَاء وَمَا وَسِيلَة ذَلِكَ ثُمَّ إِنَّ مِنْ تِلْكَ
اَلْمُشْكِلَات فِي طَرَائِق اِسْتِعْمَالهَا: أَنَّ أَصْوَاتهَا اَلَّتِي تُطْلِقهَا حَنَاجِر أَهْلهَا تَنْقُص
بَعْض أَصْوَات لِأَصْحَاب لُغَات أُخْرَى كَالْبَاء اَلثَّقِيلَة وإلفاء اَلثَّقِيلَة وَحَرْف اَلْعِلَّة
بَيْن اَلْوَاو وَالْيَاء وَالْجِيم اَلْمِصْرِيَّة وَغَيْرهَا وَهِيَ بِحَاجَة إِلَى تَلَافِي هَذَا اَلنَّقْص
لِتَتَّصِل بِغَيْرِهَا مِنْ اَللُّغَات وَتَأْخُذ عَنْهَا خَيْرًا يَكُون عِنْدهَا فَكَيْفَ تَفِي بِهَذِهِ اَلْحَاجَة