ويقول الإمام الشاطبي: إن المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها، وليس للعبد بها علم إلا من بعض الوجوه، والذي يخفى عليه منها أكثر من الذي يبدو له، فقد يكون ساعيًا في مصلحة نفسه من وجه لا يوصله إليها، أو يوصله عاجلًا لا آجلًا، أو يوصله إليها ناقصة لا كاملة، أو يكون فيها مفسدة تربو في الموازنة على المصلحة فلا يقوم خيرها بشرها، وكم من مدبر أمرًا لا يتم له على كماله أصلًا، ولا يجني منه ثمرة أصلًا، وهو معلوم مشاهد بين العقلاء، فلهذا بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فإذا كان كذلك فالرجوع إلى الوجه الذي وضعه الشارع رجوع إلى حصول المصلحة والتخفيف على الكمال [1] .
ويقول في موضع آخر: المصالح المجتلبة شرعًا، والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للآخرة، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية [2] .
فاعتبار المصلحة وتقديمها على غيرها بناءً على موازين عقلية محضة هو بعدٌ عن الشرع في فهم الأولويات"فلا يجوز الاعتماد على ما قد يراه علماء الاقتصاد، وخبراء التجارة من أن الربا لا بد منه لتنشيط الحركة التجارية والنهوض بها، ولا يصح الاعتماد على ما قد يتفق عليه علماء النفس والتربية مثلًا من أن الجمع بين الجنسين في مرافق المجتمع يهذب من الخلق ويخفف من شدة الشهوة والميل إلى الجنس الآخر، إذ لو صح ذلك لكانت الشريعة محكومة بخبرات الناس تابعة لها، وحقيقة الأمر: أن الشريعة هي الميزان لكل مصلحة يعرضها الناس من خبراتهم وتجاربهم، فإن وافقت النص أخذ بها وكان العمل بالنص، وإن لم توافق لم ينظر إلى تلك المصلحة المزعومة."
وليس معنى ذلك أن الشريعة لا تنظر إلى خبرات الناس وتجاربهم ولا تراعي ما يرونه مصلحة، بل راعت هذا الجانب، وجعلت له مجالًا معينًا" [3] ، هو الاجتهاد عند عدم وجود نص صحيح."
والمتأمل في ميدان العمل الدعوي يتبين له أن هرم الأولويات مقلوب في أعم وأغلب تيارات الخطاب الإسلامي، حيث إن بعض هذه التيارات يسيطر عليه المنهج
(1) - الموافقات، للشاطبي 1/ 98.
(2) - نفسه 1/ 102.
(3) - أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة د. يوسف القرضاوي 42.