فقلت: إنا نحن العرب، ونحن أهل الشوك والقرظ، ونحن أهل بيت الله كنا أضيق الناس أرضًا، وأشدهم عيشًا، نأكل الميتة والدم، ويُغير بعضنا على بعض، بأشد عيش عاش به الناس، حتى خرج فينا رجل ليس بأعظمنا يومئذ شرفًا، ولا أكثرنا مالًا، وقال: أنا رسول الله إليكم، يأمرنا بما لا نعرف، وينهانا عما كنا عليه وكانت عليه آباؤنا، فكذبناه ورددنا عليه مقالته، حتى خرج إليه قوم من غيرنا فقالوا: نحن نصدقك، ونؤمن بك، ونتبعك، ونقاتل من قاتلك، فخرج إليهم وخرجنا إليه، فقاتلناه فقتلنا، وظهر علينا وغلبنا، وتناول من يليه من العرب فقاتلهم حتى ظهر عليهم، فلو يعلم من ورائي من العرب ما أنتم فيه من العيش لم يبق أحد إلا جاءكم حتى يشرككم فيما أنتم فيه من العيش، فضحك ثم قال: إن رسولكم قد صدق، قد جاءتنا رسلنا بمثل الذي جاء به رسولكم، فكنا عليه حتى ظهرت فينا ملوك، فجعلوا يعملون بأهوائهم، ويتركون أمر الأنبياء، فإن أنتم أخذتم بأمر نبيكم لم يقاتلكم أحد إلا غلبتموه، ولم يشارككم أحد إلا ظهرتم عليه، فإذا فعلتم مثل الذي فعلنا، وتركتم أمر نبيكم وعملتم مثل الذي عملوا بأهوائهم، فخلى بيننا وبينكم، لم تكونوا أكثر عددًا منا ولا أشد منا قوة.
قال عمرو بن العاص: فما كلمت رجلًا قط أمكر منه.
فهذا النص فيه بيان لترجمة بعض سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي سردها عمرو بن العاص رضي الله عنه، وبعضهم بل أكثرهم كان يذكر ما يُخاطب به القوم من الإسلام أو الجزية أو القتال، وهذا يتطلب عرض لأحكام الإسلام إذ كيف سيدخل الناس في الدين وهم لا يعرفون هذا الدين؟؟
وثانيهما ما رواه أبو نعيم الأصبهاني [1] عن أبي البختري أن جيشًا من جيوش المسلمين كان أميرهم سلمان الفارسي فحاصروا قصرًا من قصور فارس، فقالوا: يا أبا عبد الله ألا ننهد إليهم؟ فقال: دعوني
(1) حلية الأولياء: 1/ 189، دار الكتاب العربي - بيروت، ط الرابعة 1405 هـ.