الصفحة 24 من 30

فأسمعهم، وإما لاختصار منع من فهمه فأفهمهم أو نحو ذلك، وإطلاقه ذكر الناس يشعر بهذا، ويبعد أن يكون المراد به الفرس خاصة، وليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة أخرى، وقد أطلقوا على قولهم باب كذا وكذا اسم الترجمة لكونه يعبر عن ما يذكر بعده والله أعلم.

وهذا الذي ذكره ابن الصلاح محتمل، لكن ما ذهب إليه ابن بطال أرجح، لأنه ذكر في ترجمة أبي جمرة هذا أنه كان يعرف اللغات ومنها الفارسية، ثم إن ما يمنع من ترجيح ما ذهب إليه ابن الصلاح من وجود بعض الروايات التي تفيد أن ابن عباس كان يُجلس أبا جمرة معه على السرير، كما روى ذلك أبو نعيم الأصبهاني في مستخرجه على صحيح مسلم [1] : (( عن أبي جمرة قال كنت مع ابن عباس على سريره أترجم بينه وبين الناس ) )، فيسقط بذلك احتمال الزحام الذي ذهب إليه ابن الصلاح، وهذا ما وضحه وبينه ابن حجر فقال [2] : قال ابن الصلاح: أصل الترجمة التعبير عن لغة بلغة، وهو عندي هنا أعم من ذلك، وأنه كان يبلغ كلام بن عباس إلى من خفي عليه ويبلغه كلامهم، إما لزحام أو لقصور فهم، قلت: الثاني أظهر لأنه كان جالسا معه على سريره، فلا فرق في الزحام بينهما إلا أن يحمل على أن بن عباس كان في صدر السرير وكان أبو جمرة في طرفه الذي يلي من يترجم عنهم، وقيل إن أبا جمرة كان يعرف الفارسية فكان يترجم لابن عباس بها.

أما ما ورد من الترجمات في الفتوح فهي كثيرة، وأقتصر على ذكر أنموذجين أنتزعهما من كتب السنة، وأولهما ما رواه ابن حبان [3] ، وأبو يعلى [4] واللفظ لابن حبان عن عمرو بن العاص قال: خرج جيش من المسلمين أنا أميرهم حتى نزلنا الإسكندرية، فقال عظيم من عظمائهم: أخرجوا إلي رجلا يكلمني وأكلمه، فقلت: لا يخرج إليه غيري، فخرجت ومعي ترجماني ومعه ترجمانه حتى وُضع لنا منبر، فقال: ما أنتم؟

(1) المسند المستخرج على صحيح مسلم 1/ 111، تحقيق: محمد حسن محمد حسن الشافعي، دار الكتب العلمية - بيروت، ط الأولى 1417 هـ.

(2) فتح الباري: 1/ 130.

(3) صحيح ابن حبان: 14/ 522 رقم: 6564، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مكتبة الرسالة - بيروت، ط الثانية 1414 هـ.

(4) المسند: 13/ 337 - 339 رقم: 7353، تحقيق: حسين أسد، دار المأمون - دمشق، ط الأولى 1404 هـ، 1984 م، وقال الهيثمي - مجمع الزوائد: 8/ 238، رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير عمرو بن علقمة وهو ثقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت