وهذا الأمر من الوضوح بحيث إننا لا نحتاج للتدليل عليه، ولكن من باب استكمال الأدلة ليس إلا، وإلا فإن واقع هذه الدعوة الآن خير شاهد على ذلك، لدخول الدين إلى كل بلد من بلاد الأرض الآن.
والمراد من هذا كله الاستشهاد بأنه - صلى الله عليه وسلم - أدرك هذا الأمر وبشَّر به، وهذا يقتضي أن هذا الدين سيدخله أناس من كافة الأجناس والأقطار، سواء أكان ذلك على زمنه - صلى الله عليه وسلم -، أم ما سيأتي بعده من الأزمان، وهذا يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم مكلف بدعوة هؤلاء الأقوام بما يُفهمهم، وأن يوصل إليهم رسالته، وهنا يبرز تساؤل: كيف بلَّغ النبي رسالته أو أسس لتبليغ رسالته في ظل هذا الفهم لطبيعة الدين؟
وللإجابة على هذا التساؤل يعترضنا احتمالان:
الأول: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سوف يُعبِّر بلغة هؤلاء جميعًا، أو يتكلم بهذه اللغات جميعها، كنوع من فهم قول الله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم: 4] فكل رسول عبَّر بلسان قومه ولغتهم التي يتكلمون بها، وبما أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - مبعوث إلى الناس كافة، وأمة الدعوة بالنسبة له كل الناس بل والجن أيضًا، على اختلاف ألوانهم وألسنتهم ولغاتهم، فهذا يتطلب أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - متكلم بلغات هؤلاء الأقوام جميعًا ليتناسب ذلك مع العالمية التي بُعث بها، وهذا ما يُفهم من صنيع البخاري [1] في صحيحه حيث ترجم فقال: (( بَاب من تَكَلَّمَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَالرَّطَانَةِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ وما أَرْسَلْنَا من رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ) ). ثم ساق ثلاثة أحاديث [2] في كل منها كلمة أعجمية، وهي المظللة بالأسود.
فقول البخاري رحمه الله تعالى: باب من تكلم بالفارسية والرطانة، ثم ذكره الآية {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} ، ثم ذكره رحمه الله لثلاثة أحاديث تفيد بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تكلم بغير العربية، يستفاد منه أن البخاري كان يرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعرف هذه اللغات، ولهذا قال ابن حجر [3] : ((
(1) الصحيح: 3/ 1117 - 1118،
(2) أولها رقم: عن جَابِرَ بن عبد اللَّهِ رضي الله عنهما قال: قلت يا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لنا وَطَحَنْتُ صَاعًا من شَعِيرٍ فَتَعَالَ أنت وَنَفَرٌ، فَصَاحَ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِرًا قد صَنَعَ سورا فَحَيَّ هَلًا بِكُمْ.
والثاني رقم: 2906 حدثنا حِبَّانُ بن مُوسَى أخبرنا عبد اللَّهِ عن خَالِدِ بن سَعِيدٍ عن أبيه عن أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بن سَعِيدٍ قالت أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مع أبي وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَنَهْ سَنَهْ قال عبد اللَّهِ وَهِيَ بِالْحَبَشِيَّةِ حَسَنَةٌ قالت فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ فَزَبَرَنِي أبي قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَعْهَا ثُمَّ قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبْلِي واخلقي ثُمَّ أَبْلِي واخلقي ثُمَّ أَبْلِي واخلقي قال عبد اللَّهِ فَبَقِيَتْ حتى ذَكَرَ.
والثالث رقم: 2907 حدثنا محمد بن بَشَّارٍ حدثنا غُنْدَرٌ حدثنا شُعْبَةُ عن مُحَمَّدِ بن زِيَادٍ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ الْحَسَنَ بن عَلِيٍّ أَخَذَ تَمْرَةً من تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا في فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم بِالْفَارِسِيَّةِ كِخْ كِخْ أَمَا تَعْرِفُ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ.
(3) فتح الباري 6/ 184، تحقيق: محب الدين الخطيب، وتعليقات الشيخ عبد العزيز بن باز، دار المعرفة - بيروت.