يرى هذا الاتجاه إن التحكيم ليس إلا قالبًا قانونيًا يحتوي عملين، الفاعل في احدهما غير الفاعل في الآخر، وهما اتفاق التحكيم وقضاء المحكم، فالأول يحدثه المتنازعان، والثاني يحدثه المحكم.
فاتفاق التحكيم، فهو وإن كان عقدًا له كل الخصائص العامة للعقود إلا أنه يتميز عنها بهدفه وموضوعه في آن واحد، فهدفه ليس إقامة علاقة قانونية مبتداه بين الطرفين مالية كانت أو شخصية كما هو الحال في غيره من العقود، وإنما تسوية الآثار الناشئة عن علاقة سابقة قائمة بالفعل وأما موضوعه فهو ليس التراضي على تسوية نهائية محددة بذاتها للنزاع، وإنما إقامة كيان عضوي - فردًا كان أو هيئة - ترفع إليه ادعاءات الطرفين ويتولى الفصل فيها استقلالًا عنهما.
أما عمل المحكم فهو يتمثل في حسم المنازعة، وهو يتولى بالضرورة هذا العمل وفقًا للضوابط العامة التي يضعها النظام القانوني لحسم المنازعات والتي تجد مكانها في التنظيم التشريعي لقضاء الدولة بحسبانه التنظيم العام الذي يسري على كافة الهيئات ذات الصفة القضائية - وأهمها إلى جانب قضاء الدولة - الهيئات واللجان ذات الطابع القضائي وجهات التحكيم. [1]
وصفوة القول فيما يتعلق بمدى انطباق أي من النظريات الثلاثة على التحكيم الالكتروني نجد أن النظرية الثالثة ويُعني بها النظرية المختلطة والتي تقرر عدم خضوع التحكيم لأي قانون وطني بدءًا من اتفاق التحكيم وانتهاءً بحكم التحكيم هي انسب وأفضل النظريات الملائمة للتحكيم الالكتروني وذلك وفقًا لطبيعة إجراءاته حيث يتم رفع الدعوى، وتوجيه الإخطارات بالمحررات اللاحقة على الدعوى عبر البريد الالكتروني، كما أن القرارات والاطلاعات والاتصالات الأخرى تتم بنفس الطريقة ويسبق هذه الإجراءات اتفاق الأطراف على قبول عولمة حلول المنازعات الخاصة بالتجارة الدولية والتحكيم التجاري الدولي دون اكتفاء بما تقرره الاتفاقات الدولية والتشريعات المقارنة النافذة في الوقت الحالي. [2]
إذا كان الواقع يقول بأن نشأة التحكيم الالكتروني كان مصدرها الفضاء التخيلي والانترنت، إلا أنه لازال بالإمكان استعمال الوسائل الالكترونية وتقنية المعلومات حل عديد من العقبات التي تواجه الحلول البديلة للنزاعات التجارية الناشئة في العالم الواقعي، وإذا كان التحكيم يتصف بأهمية خاصة في حل المنازعات الدولية، وذلك بالنظر إلى سهولة إجراءاته والسرعة في الفصل في المنازعات مقارنة بالإجراءات القضائية العادية؛ ذلك أن هيئة التحكيم عادة ما تضم محكمًا متخصص فنيًا في مجال موضوع التحكيم ليتمكن من إيجاد الحلول الملائمة للنزاعات بطريقة
(1) انظر: د. علاء محي الدين مصطفى: التحكيم في منازعات العقود الإدارية الدولية. دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2008 ص 25.
(2) انظر: د. حسام الدين فتحي ناصف: تنفيذ أحكام التحكيم الباطلة الصادرة في الخارج. دار النهضة العربية، القاهرة، 2005، ص 20.