وفي قصة الرجل الكافر صاحب الجنتين يقول له صاحبه المؤمن وهو يحاوره:"أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا" [1] .
وفي التعقيب على هذه القصة يأتي قوله تعالى:"ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا، هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا" [2] ، وفي يوم القيامة تبرز لنا السورة مشهدا لفضيحة المشركين حيث يقول تعالى:"ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا" [3] وفي موضع آخر وضحت السورة مصير المشركين يوم القيامة فقال تعالى:"أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا" [4] .
ولترسيخ عقيدة التوحيد ونبذ الشرك، أبرزت السورة الكريمة أهمية النظر والتأمل، الذي يحركه الفكر السليم، المؤيَّد بالأدلة والبراهين الساطعة، التي تكشف حجب الغفلة والجهل عن العقل، فلا يؤمن بعقيدة ولا يسلِّم بها دون دليل أو برهان، لذلك أنكرت السورة الكريمة على النصارى عقيدتهم المنحرفة التي نسبت لله ـ تعالى ـ الصاحبة والولد، دون سند من علم أو عقل، قال تعالى:"وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا، مالهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا" [5] ، وهؤلاء الفتية المؤمنين أصحاب الكهف، يعيبون قومهم المشركين، لاعتقادهم وجود آلهة مع الله ـ تعالى ـ دون أن يأتوا على ذلك بدليل أو برهان من علم، قال تعالى:"هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بيّن فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا" [6] .
فالسورة الكريمة دعت الناس إلى اعتناق العقيدة الصحيحة المؤيدة بالحجة والبرهان، والمستندة إلى العقل والعلم، ثم دعت بعد ذلك إلى تصحيح نظرة الإنسان إلى القيم، على ضوء تلك العقيدة، فالقيم الحقيقية يكون مردّها إلى الإيمان والعمل الصالح، وكل ما عداها قيم أرضية رخيصة، صائرة إلى زوال، وكل ما على الأرض من مظاهر الزينة إنما هو محض ابتلاء واختبار
(1) - الكهف: 37.
(2) - الكهف: 43 - 44.
(3) - الكهف: 53.
(4) - الكهف. 102.
(5) - الكهف 4 - 5.
(6) الكهف: 15.