الصفحة 3 من 6

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ _ إِنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ' فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ؛ فَقَالَ: (( مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفُّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ ) ) [1] .

قال عمر بن الخطاب:) أفضلُ عيشٍ أدركناه بالصبر، ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريمًا (.

وقل من جَدَّ في أمرٍ يحاوله واستعمل الصبر إلا فاز بالظفر

وفي الصوم صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن معصية الله، وصبرٌ على قضاء الله وقدره، من الجوع والتعب والنصب.

فعبادةٌ واحدة تجتمع فيها أنواع الصبر الثلاثة، إنها والله عبادة عظيمة.

وما أحوج المسلم إلى الصبر في زمان تلونت فيه الشبهات، وتزينت فيه المنكرات، وتزخرفت الدنيا، وظن أهلها أنهم قادرون عليها.

ما أحوج المسلم إلى الصبر في زمنٍ تُسمَّى فيه الفواحش بغير أسمائها، وتُبرَزُ فيه الرذيلة بأبهى الصور وأجملها، ويُجلِبُ شياطينُ الجن والإنس بخيلهم ورجِلِهم في صدِّ الناس عن دين الله، وشَغْلِهم بما يصرفهم عن طاعة الله وعبادته.

ما أحوج المسلم إلى الصبر في زمنٍ تتقاذفُ أهلَهُ الشُّبهاتُ المضلة، والعقائدُ المنحرفة، وتُتبع فيه الآراءُ المجردةُ عن الأدلة، بغير سلطان من الله، ولا كتاب منير.

ما أحوج المسلم إلى الصبر في زمن يُتخذ فيه الهوى الإلهَ المعبود، والمالَ الهدف المنشود، واللذةَ الفانية الغايةَ المطلوبة، فتنتهك الحرمات، وتغتال الحريات، وتنسف المبادئ الشريفة، وتباع الأخلاق الفاضلة الكريمة، لأجل عرض من الدنيا زائل.

والصائم يصبر على الأذى من إخوانه؛ لأنه لا يقابل السيئة بمثلها، ولكنه يعفو ويصفح.

ويصبر على الأذى في سبيل الله، حين يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويبذل جهده لينقذ أمته مما هي فيه من ظلمات الجهل والمعاصي.

وكم في سبيل الدعوة إلى الله من الأذى، وكم في طريق الخير من الوصب والتعب، وكم يلقى الداعية المصلح من العنت والمشقة، وكل ذلك يهون في سبيل الله، ولطلب مرضاة الله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) } [سورة التوبة 9/ 120] .

3 -صوم القلب.

القلب هو محلُّ السعادة والشقاء، والإيمانِ والكُفر، واليقينِ والشك، وإنما فُرضَ الصيامُ لأسرارٍ وحكم لا يُدركها من كان أكبرَ همه أن يمتلأ بطنُه بعد طولِ فراغ، وأن يُطفئ حرارة الجوع، وشدةَ العطش، عند مغيب الشمس، وذلك آخرُ عهده بالصوم.

إنما فُرض الصوم ليسُلَّ من الصدورِ سخائمها، وليرفع عن القلوب أوضارها، وليؤت النفوس زكاتها وتقواها.

بالصوم تنسدُّ مسالِكُ الأكل والشرب، ويفرَغُ القلب للتذكر والتدبر، والنظر والتأمل، فيرى حقيقة الدنيا، وحقارتَها، وقِلة شأنِها وهوانَها، وأنها مهما طالت فهي قصيرة، ومهما اتسعت فهي ضيقة، ومهما أعطت فهي عما قليل آخذة، وأنها تأخذ أكثر مما تعطي، وأن الله قد قسَّم فيها الأرزاق بحكمة وعدل، وبسط فيها من الخيرات ما يعين على الطاعة، ويباعد عن المعصية.

ويرى أن ما قُسِم له لم يكن ليخطئه، وما مُنِع عنه لم يكن ليصيبه.

ويرى أن الحسد إنما يأكل قلبه قبل أن يصيب المحسودين، وأن الغِلَّ يُفرِّق بين الإخوان، ويمزق الجسد الواحد، أشد مما يمزق الذئب الجائع بدن فريسته.

في الحديث الصحيح المتفق عليه عن النبي ' أنه قال: (( الصيام جنة ) ).

والجنة هي الوقاية والستر؛ فالصائم الصادق قد ستر قلبه عن الأحقاد والضغائن، وحال الصومُ بينه وبين ما يُفسده من أمراض القلوب، التي تقتل صاحبها في الدنيا، قبل أن تقتله أمراض البدن؛ فصار يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وينصح لهم.

ألا يكفي ذمًا للملاحاة والتباغُضِ، والتقاطُعِ والتدابُر أنها قاطعةٌ للبر والصلة، ماحقةٌ للخير والبركة، مانعةٌ من وصولِ العمل إلى الله، ورفعه إليه؟! حتى حيل بيننا وبين معرفة ليلة القدر بسبب ملاحاة رجلين [2] !

كيف يصوم من أفطر قلبه على سيء الأعمال، وكريه الأخلاق، وانطوى صدره على الغش لإخوانه، وإلقاء العداوة بينهم، وإذكاء نيران الفرقة في صفوفهم؟

فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله.

(1) متفق عليه.

(2) كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن عبادة بن الصامت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت