قومه بالله فإن ذلك لا يزيدهم إلا طغيانًا وفرارًا، قال تعالى على لسان نبيه نوح - عليه السلام - {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [1] ، فذكر الله موجب للانشراح في قلوب بعض العباد، وبعضهم قلبه رافض لهذا الذكر صاد عنه.
قال الرازي:"إن قيل: ذكر الله سبب لحصول النور والهداية وزيادة الاطمئنان، كما قال تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [2] ، فكيف جعله في هذه الآية سببًا لقسوة القلوب؟!!."
والجواب أن نقول: إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر، كدرة العنصر، بعيدة عن مناسبة الشرع، شديدة الميل إلى الهوى والطبائع البهيمية، فإن سماعها لذكر الله يزيدها قسوة ونفورًا، ... ، والفاعل الواحد تختلف أفعاله بحسب اختلاف القوابل، كنور الشمس يلين الشمع، ويعقد الملح في الماء" [3] ."
(1) سورة نوح، الآية 5 - 7.
(2) سورة الرعد، الآية 28.
(3) التفسير الكبير (26/ 232) .