فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"نعم، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدين، فإن جبريل عليه السلام، قال لي ذلك"رواهما مسلم هذا -والله- هو الوعد الحق بالعفو والمغفرة للذنوب ليس العفو الطاغوتي الذي حقيقته ليس عفوًا بل هو عين الظلم حيث إنك تسلم نفسك إليهم وتترك الكفر بالطاغوت ولا تنكره. ولا تكفر بهيئة الأمم ولا تعادي النصارى أو أحدًا من الكفرة ولا ترفع راية الجهاد لأن من قرارات هيئة الأمم عدم وجود شيء اسمه جهاد. وكذلك تترك وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - لك أيها المؤمن بإخراج اليهود والنصارى وسائر الكفرة من جزيرة العرب وكذلك تجدد الولاء لهؤلاء الطواغيت وتجعلهم ولاة أمور وتلبسهم بلباس الشرع الذي خلعوه ولبسوا بدلًا منه لباس الردة عن الإسلام عياذًا بالله من ذلك.
هذا هو العفو زعموا يسمونه بغير اسمه وهذا من تلبيسهم لرعاياهم، ونعق بعض أهل العلم خلفهم. أما العفو الذي جاءت به النصوص فهو خلق عظيم يتسم به الرجال العظماء وهو أن تعفو عمن ظلمك وتقابل الإساءة بالإحسان وهو من أعظم القرب التي يتقرب بها العبد لربه. قال تعالى {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وقال تعالى {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} فقال تعالى {خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} وقال تعالى {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} وقال تعالى {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"مانقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله"رواه مسلم وهذه الأخلاق العظيمة قد اتصف بها أنبياء الله ورسوله مع أقوامهم فهذا يوسف مع أخوته وما فعلوه به وقد قَدر أن يفعل بهم ما شاء {قَالُوا تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} فعفى وسامحهم سماحًا تامًا بل دعا لهم بالمغفرة.
وهكذا رسولنا - صلى الله عليه وسلم - كم أوذي فعفا وغفر حتى لمن أخرجه من بلده فقال يوم الفتح يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم، وابن أخ كريم، قال:"اذهبوا فأنتم الطلقاء" (وقال:"اليوم يوم برٍّ ووفاء") رواهما ابن إسحاق. ولما عرض عليه ملك الجبال بأن يطبق عليهم الأخشبين فقال - صلى الله عليه وسلم -"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا"وقال عبد الله بن مسعود: كأني أنظر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يحكي نبيًا من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"وهكذا سار الصحابة - رضي الله عنهم - فهذا صِدّيق هذه الأمة أبو بكر الصّدّيق - رضي الله عنه - لما حصل في قصة الإفك ما حصل وأنزل الله براءة الصديقة بنت الصديق عائشة أم المؤمنين زوجة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا والآخرة. قال أبو بكر الصّدّيق - رضي الله عنه - وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال فأنزل الله {وَلَا يَاتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال أبو بكر: بلى والله، إني أحب أن يغفر الله لي. قال عبد الله بن المبارك هذه الآية هي أرجى آية في كتاب الله. وهذا عمر - رضي الله عنه - لما استأذن الحر بن قيس لعيينة بن حصن فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: (هِيْ يا ابن الخطاب، فو الله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى هم به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -"(خذ العفو، وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) "وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله) وهذه الأحاديث والآثار في الصحيحين. واعلم أن من أعظم أسباب عفو الله ومغفرته أن تطلب العفو والمغفرة منه لا من غيره،
أخرج الإمام أحمد والترمذي وصححه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أسأل؟ قال:"قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنِّي"، ويُروى عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"يأتي الله تعالى بالمؤمن يوم"