ج / 3 ص -317- وقد حكى في البحر أن هذه الصفة لصلاة الخوف قال بهما علي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة وزيد بن ثابت وأبو موسى وسهل بن أبي حثمة والهادي والقاسم والمؤيد باللَّه وأبو العباس . قال النووي: وبها أخذ مالك والشافعي وأبو ثور وغيرهم انتهى . وقد أخذ بكل نوع من أنواع صلاة الخوف الواردة عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم طائفة من أهل العلم كما سيأتي . والحق الذي لا محيص عنه أنها جائزة على كل نوع من الأنواع الثابتة وقد قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثًا إلا صحيحًا فلا وجه للأخذ ببعض ما صح دون بعض إذ لا شك أن الأخذ بأحدها فقط تحكم محض .
وقد اختلف في عدد الأنواع الواردة في صلاة الخوف فقال ابن القصار المالكي: إن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم صلاها في عشرة مواطن . وقال النووي: إنه يبلغ مجموع أنواع صلاة الخوف ستة عشر وجهًا كلها جائزة . وقال الخطابي: صلاة الخوف أنواع صلاها النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم في أيام مختلفة وأشكال متباينة يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى . وسرد ابن المنذر في صفتها ثمانية أوجه . وكذا ابن حبان وزاد تسعًا . وقال ابن حزم: صح فيها أربعة عشر وجهًا وبينها في جزء مفرد . وقال ابن العربي: جاء فيها روايات كثيرة أصحها ست عشرة رواية مختلفة ولم يبينها وقد بينها العراقي في شرح الترمذي وزاد وجهًا آخر فصارت سبعة عشر وجهًا . وقال في الهدى: أصولها ست صفات وبلغها بعضهم أكثر . هؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجهًا فصارت سبعة عشر لكن يمكن أن تتداخل أفعال النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم وإنما هو من اختلاف الرواة . قال الحافظ: وهذا هو المعتمد . وقال ابن العربي: أيضًا صلاها النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم أربعًا وعشرين مرة . وقال أحمد: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة أيها فعل المرء جاز ومال إلى ترجيح حديث سهل بن أبي حثمة وكذا رجحه الشافعي ولم يختر إسحاق شيئًا على شيء وبه قال الطبري وغير واحد منهم ابن المنذر وقال النووي: ومذهب العلماء كافة أن صلاة الخوف مشروعة اليوم كما كانت إلا أبا يوسف والمزني فقالا: لا تشرع بعد النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم انتهى . وقال بقولهما الحسن بن زياد واللؤلؤي من أصحابه وإبراهيم بن علية كما في الفتح واستدلوا بمفهوم قوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ } وأجاب الجمهور عن ذلك بأن شرط كونه صلى اللَّه عليه وآله وسلم فيهم إنما ورد لبيان الحكم لا لوجوده . والتقدير بين لهم بفعلك لكونه أوضح من القول كما قال ابن العربي وغيره . وقال ابن المنير: الشرط إذا خرج مخرج التعليم لا يكون له مفهوم كالخوف في قوله تعالى: {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ } وقال الطحاوي: كان أبو يوسف قد قال مرة لا تصلى صلاة الخوف بعد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم وزعم أن الناس إنما صلوها معه صلى اللَّه عليه وآله وسلم لفضل الصلاة معه قال: وهذا القول عندنا ليس بشيء انتهى .
وأيضًا الأصل تساوي الأمة في الأحكام المشروعة فلا يقبل التخصيص بقوم دون قوم إلا بدليل واحتج عليهم الجمهور بإجماع الصحابة على فعل هذه الصلاة بعد موت النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم وبقول النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم:"صلوا كما رأيتموني أصلي"وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم .