الصفحة 43 من 44

يعرّفني الحلال من الحرام ... أما أنتم أيها المجاهدون ... قرة العين وسويداء الفؤاد ... غرة في جبين الأمة وبريق الأمل في ليلها الحالك ... إليكم هذه الفقرات ...

-قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} ، فأخبر تعالى أنه لا بد عند وجود المرتدين من وجود المحبين المجاهدين ... ووصفهم بالذلة والتواضع للمؤمنين، والعزة والغلظة والقوة على الكافرين بضد من كان تواضعه وذله ولينه لعباد القباب ... ثم قال: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} فأخبر الله تعالى أن هذا الخير العظيم والصفات الحميدة لأهل الإيمان الثابتين على دينهم عند وقوع الفتن ليس بحولهم ولا قوتهم وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء [266] .

-"اعلموا أصلحكم الله أن من أعظم النعم على من أراد الله به خيرا أن أحياه إلى هذا الوقت الذي يجدد الله فيه الدين ويحي فيه شعار المسلمين وأحوال المؤمنين والمجاهدين حتى يكون شبيها بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فمن قام في هذا الوقت بذلك كان من التابعين لهم بإحسان {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} ، فينبغي للمؤمنين أن يشكروا الله تعالى على هذه المحنة التي حقيقتها منحة كريمة من الله، وهذه الفتنة التي في باطنها نعمة جسيمة، حتى والله لو كان السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار - كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم - حاضرين في هذا الزمان لكان من أفضل أعمالهم جهاد هؤلاء القوم المجرمين" [267] .

-"من الفئات المنحرفة عن منهج الولاء والبراء؛ هي الفئة التي تدعوا إلى التصالح مع الحكومات الخارجة على الشريعة لمقاومة أعداء الأمة، وملخص منطقهم نتعاون مع اللص من أجل استعادة ما سرقه منا ونتصالح مع الفاجر من أجل الحفاظ على الأعراض التي انتهكها، ولو طردوا قاعدتهم لقالوا نتصالح مع اليهود والنصارى حتى نقنعهم بالخروج من بلادنا ويرحلوا في سلام عنا، ويطالبوننا بأن نكذب الواقع المشاهد ونصدق هذه الأوهام، وحاصل دعوة هؤلاء أيضا هو كف المقاومة عن العدو الأساسي للأمة وقياد المجاهدين إلى الخونة الذين يطفح تاريخهم بالجرائم ضد الإسلام" [268] ...

-"قال الله تعالى ذاكرا بعض بركات الجهاد {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} ، فذكر سبحانه أن الهداية للحق والتوفيق والتسديد إليه والبصيرة فيه وفي سبيله ينالها المجاهدون ويبارك الله لهم فيها بجهادهم الصادق في سبيل الله ... فالمجاهدون الصادقون من أفقه الناس وأفرسهم بصيرة، ولذلك كان من قبلنا ليقينهم بثمرات الجهاد وبركاته إذا ما أعيتهم مسألة من مسائل الفقه أو العلم قالوا (اسألوا أهل الثغور) ... وذلك أن المجاهد يتعين أن يدرس واقعه الذي يعيش فيه فيحيط به علما كما قد أحاط بفقه الجهاد الشرعي، فإذا ما فعل ذلك وصدق في جهاده أطلق الله بصيرته ببركات جهاده في الله وكان سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به فيصير فهمه وفقهه وإصابته أضعاف أضعاف من سائر الناس."

ومن ثمة فلا حاجة للمجاهدين لفقهاء ومنظرين من خارج صفهم لأن فقهاءهم الذين يوجهونهم ويتخيرون لهم الأولى والأنقى والأنكى من الجهاد والقتال؛ من أفقه الناس وأقواهم بصيرة، وذلك لان فقههم يولد من رحم الجهاد ومن ميادين القتال وخنادقه حيث الصدق مع الله والبعد عن الأهواء المضلة والشهوات المزلة، فإذا أضيف إلى ذلك ما ذكرناه من العلم بالشرع والإحاطة بالواقع لم تكد فراسة أحدهم تخطئ، فالمجاهد ومشايخه الربانيون هم الذين يقدّرون المصلحة في جهادهم والفائدة والثمرة في اختيار أهدافهم، وهم ليسوا بحاجة إلى فقه القاعدين المهترئ، ولا إلى تنظيرات الخوالف المنسحقة تحت أقدام الأنظمة وأسيادها الغربيين والأمريكان أو المندحرة أمام ثقافة العولمة وتهمة الإرهاب، ولا إلى أفهام المخلدين إلى الأرض من الصحفيين المارقين والكتاب العلمانيين والمفكرين المهترئين" [269] ."

-"ما أنزل الله من آية في القرآن إلا وقد عمل بها قوم، وسيعمل بها آخرون، فمن كان من الشاكرين الثابتين على الدين الذين يحبهم الله عز وجلّ ورسوله فإنه يجاهد المنقلبين على أعقابهم الذين يخرجون عن الدين ويأخذون بعضه ويدعون بعضه ..." [270] .

-"واعلموا أن الجهاد فيه خير الدنيا والآخرة وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة قال تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} يعني إما النصر والظفر وإما الشهادة والجنة، فمن عاش من المجاهدين كان كريما، له ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ومن مات منهم أو قتل فإلى الجنة" [271] .

"فالجهاد هو السبب الوحيد في حفظ الدين، وحفظ الأوطان وحفظ الأبدان وحفظ الأموال، وإن المجاهدين ولو شقّت عليهم الأمور فإن عواقبهم حميدة، كما أن الناكلين ولو استراحوا قليلا فإنهم سيتعبون طويلا" [272] ...

فـ"يجب جهاد الكفار واستنقاذ ما بأيديهم من بلاد المسلمين وأسراهم، ويجب على المسلمين أن يكونوا يدا واحدة على الكفار، وأن يجتمعوا ويقاتلوا على طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله، ويدعوا المسلمين إلى ما كان عليه السلف من الصدق وحسن الأخلاق فإن هذا من أعظم أصول الإسلام وقواعد الإيمان التي بعث بها الله رسله وأنزل كتبه وأمر عباده عموما بالاجتماع ونهاهم عن التفرق كما قال تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} " [273] .

أخي المجاهد:

-"اعلم أنك في زمان لو أن إبليس اتخذ دولة لوجد دعاة له يجعلون له حظا في الإسلام شريطة أن يعطيهم ثلاث خصال: الشهادة والمرتبة والمعاش" [274] .

-"فإن قالوا لكم قد قتل في قتالكم في موقع كذا وكذا أطفال وصبيان والنبيّ صلى الله عليه وسلم قد نهى عن قتل الصبيان، قولوا لهم قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ونحن أعلم بذلك وأحرص على أمره ونهيه منكم ونعوذ بالله من أن نتقصدهم ولو فعلنا ذلك تبنا إلى الله، أما أنتم فقائمون مصرون على الكفر والحرام، ولذا لسنا بحاجة إلى فقهكم وتنظيركم."

"وكيف يحق لكم أن تظهروا بمظهر الحريص على الأطفال وأنتم من يتم أطفال الموحدين وأعدم آباءهم واستحل قتلهم لجهادهم وبراءتهم من شرككم ... وأنتم أول من حارب دين الله وأولياءه، أما هم فلم يحاربوا إلا أعداءه، وإن قتل في جهادهم بعض الصبيان، قد وأدتم أبناء المسلمين وقتلتم الدين والحمية والتوحيد في قلوبهم بمناهج مدارسكم الفاسدة التي تنشئهم على الولاء لكم ولأوليائكم ولازلتم تسعون في فتنتهم عن دينهم وجهادهم {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ} ، ومن أصدق من الله حديثا" [275] .

وبمناسبة ذكر هؤلاء المحاربين عن الطواغيت المثبطين عن الجهاد فإني أحذّركم من صنفين من العلماء:

-الصنف الأول: العلماء الذين انكبوا على الكتب وانقطعت صلتهم بواقع الناس.

قال ابن القيم رحمه الله: (ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى بالحق إلا بنوعين من الفهم أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط بها علما والثاني فهم الواجب في الواقع ثمّ يطبق أحدهما على الآخر) [276] .

وقال: (أما قوله - أي الإمام أحمد في صفات المفتي: الخامسة معرفة الناس لهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم فإن لم يكن فقيها فيه، فقيها في الأمر والنهي ثمّ يطبق أحدهما على الآخر وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح فإنه إذا لم يكن فقيها في الأمر له معرفة بالناس يصور له الظالم صورة المظلوم وعكسه، المحق بصورة المبطل وعكسه وراج عليه المكر والخداع والاحتيال وتصور له الزنديق بصورة الصدّيق) [277] .

-الصنف الثاني: الذين اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا من مال أو منصب ونحوه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) [278] .

قال ابن القيم: (وكل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه وخبره وإلزامه لأن أحكام الربّ سبحانه كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس ولاسيما أهل الرياسة والذين يتبعون الشبهات فإنهم لا تتم لهم أغراض إلا بمخالفة الحق ودفعه ... ) [279] .

فاحذر من هذين الصنفين من أهل العلم خاصة في المسائل المتعلقة بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكل ما فيه مساس بسلطان الطواغيت.

وقد جمع ابن تيمبة رحمة الله عليه الصنفين في قوله: (والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، دون أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا) [280] .

قال سيد قطب: (إن فقه هذا الدين لا ينبثق إلا في أرض الحركة، ولا يؤخذ عن فقيه قاعد حيث تجب الحركة، والذين يعكفون على الأوراق في هذا الزمان لكي يستنبطوا منها أحكاما فقهية يجددون منها الفقه الإسلامي أو يطورونه وهم بعيدون عن الحركة التي تستهدف تحرير الناس من العبودية للعباد وردهم للعبودية لله وحده بتحكيم شريعة الله وحدها، وطرد شرائع الطواغيت، هؤلاء لا يفقهون طبيعة هذا الدّين ومن ثم لا يحسنون صياغة فقه هذا الدّين) [281] .

"ومما يعين على العلم الحق وربطه بالواقع على ضوئه الإلتفاف حول المرجعيات العلمية لهذا التيار - أي الجهادي - من العلماء العاملين والدعاة الربانيين الذين يقفون اليوم على أعظم ثغور الإسلام، بتصدّيهم لطواغيت الكفر وثباتهم في وجوههم وتصدّيهم لشبهات عملائهم من علماء السوء وأذنابهم من جماعات التجهيم والإرجاء، فواجب على شباب الأمة الاصطفاف خلف ذوي العدالة من العلماء الذين يبلّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله، والالتفاف حولهم وحول كتاباتهم والإستفادة من تجاربهم وخبراتهم وعدم الزهد بها" [282] .

-"أمّا أنتم أيها المجاهدون الصادقون؛ فإن خير ردكم يلجم هؤلاء الأرذال ويدحرهم أن تهملوهم، أما ردّكم الماحق لشقشقاتهم فيتمثل بالثبات على جهادكم، ومواصلة الذبح والقتل والقتال لكل عدو لله على بصيرة من الله وعدم الالتفات لتنظيرهم فالقافلة تسير ولا يضرها نبح الكلاب."

بل ربما أطربتها نغمات ذلك النباح إذا تذكرت واستحضرت دوما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الطائفة الظاهرة القائمة بدين الله في كل مكان من أنهم: (لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله"."

وهذا التشويش على الجهاد والمزاودة على المجاهدين ليس بخلق جديد من أخلاق أعداء هذا الدّين، بل هو قديم قد مارسته قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين مرارا، وحاولوا استغلال بعض الحوادث والأهداف التي تخيّرها المجاهدون في أوقات معينة ليشنّعوا بها عليهم كما حصل في قصة قتل ابن الحضرمي الذي قتلته سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم وغنموا ماله وأسروا معه رجلين في أول رجب الشهر الحرام ظانين أنه الآخر من جمادى الآخرة ... فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ} ، وفي ذلك توجيه للمجاهدين أن لا يتضرروا بشغب أعداء جهادهم وتشنيعهم حول أهداف جهادهم وتوقيت عملياتهم ... وذلك لأن كفر أعداء الدّين وصدهم عن سبيل الله وفتنتهم للمؤمنين أعظم من كل جناية قد يعيّر بها المجاهدون ... فهم إذا ما صدرت منهم عن اجتهاد خاطئ فليسوا بحاجة لفقه المشركين وتنظيرهم لأنهم ليسوا بأحرص من المؤمنين على الحلال والحرام، وهذا كقول أبي فراس:

ومن أعجب الأشياء علج

ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا ... فحذار أيها المجاهدون؛ أن تضعفوا أمام إرجافات أعداء الدّين، وحذار من أن يتضرر جهادكم بتشنيع أذنابهم ... لستم بحاجة إلى فقه وتنظير الخوالف والمنهزمين الفرحين بقعودهم الراضين بتخلّفهم فطبع الله بذلك على قلوبهم فهم لا يفقهون ولا يعلمون، إذ أنه وكما أن الله تعالى يطلق بصائر المجاهدين في سبيله ... فكذلك أيضا وفي المقابل يطبع على قلوب الخوالف القاعدين فيجعلهم من أجهل الخلق وأضئلهم فقها وعلما وتنظيرا، فكيف ترانا بعد ذلك سنعبأ بتنظيرهم المنهزم وتحليلهم المندحر" [283] ."

وعكة مصيرها إلى الإضمحلال، ولوثة وافدة تنطفئ عن قريب.

أيها المجاهدون:

إن التأثر بالمخالفين والتضرر بالمخذّلين آفة ومرض خطير له صور وتداعيات شتى وقد نخر في جماعات الأمة وطوائفها وصار عائقا من عوائق نهضتها وعقبة في سبيل نجاح جهادها وفلاح دعاتها ... ذلك أن من اختار اللحاق بدرب الطائفة القائمة بدين الله الظاهرة على أمر الله فإنه لن يقوم بأمر هذا الدّين حق القيام ولن يظهره حق الظهور بأشرق صوره كما يحب ربنا ويرضى حتى يتحرر من آفة التضرر بالمخالفين ويتطهر من جميع صورها التي تحرفه أو تصده عن صراط الطائفة الظاهرة المنصورة ومنهجها القويم [284] .

فـ"استمسك بما أنت عليه من الحق المبين من أنوار الوحيين الشريفين وسلوك جادة السلف الصالحين ولا يحركك تهييج المرجفين وتباين أقوالهم فيك عن موقعك فتضل ... ولا يثنك هذا الارجاف عن موقفك الحق وأنت داع إلى الله على بصيرة، فالثبات الثبات متوكلا على مولاك والله يتولى الصالحين" [285] .

فاصبر عليه وكن بربك واثقا هذا الطريق إلى الهدى والسؤدد

-إن الجائحة التي أصابت أمتنا كانت كافية أن تقضي على أعظم الأمم وأوفرها حظا ... إن بدايتكم هذه وأنتم الضعفاء هي نهاية الأقوياء ذي الطول والحول، والدولة والصولة هذه المنقبة التي خصكم الله بها ... فما رأى الناس قبلكم أمة في مثل حالكم من الضعف والفقر والجهل والهوان تثب هذه الوثبة من إيمانها ... نبني نهضتنا من أول يوم على أساس من الإسلام مكين وحائط من العروبة متين وعلى سبب من الحكمة رزين وسند من العقل رصين ... الإيمان والإرادة والعزيمة والحزم والتصميم، وسائل ما اجتمعت في شيء إلا أتت بالعجائب، وما تعاونت على شيء إلا أضفت عليه الوجود والخلود ... افخروا فقد حزتم الفخار من أطرافه، إنكم لم تبنوا دارا إنما بنيتم أجيالا وأقمتم دينا وكتبتم تاريخا ... الحاجة يا إخواني إلى العلم ملحّة والخصم في القضية لدود، فلا ترهبوا الظالمين ولا تسمعوا للمرجفين ولا تلتفتوا إلى الناعقين فإن فيهم الحسود وفيهم الحقود ومنهم المسخَر وكلهم عدو لكم، فأغيظوهم بالعمل الصالح واحذروهم كما تحذروا الشيطان ...

أعيذكم أيها الإخوان أن تقنعوا في نهضتكم بغاية أو تقفوا عند حد ... إن القناعة إنما تحصل فيما يقيم الجسم لا فيما يقيم الأمة وأن آية الأمة المهيأة للخير أن لا تفرغ من مأثرة إلا لتبدأ مأثرة ولا تنفض أيديها من عمل إلا لتضعها في عمل، فكونوا دائما مستعدين، واجعلوا هدفكم دائما العظائم لا الصغائر، وقد جرّبتم الإيمان وماذا يصنع، وجرّبتم التعاون وأنه ينفع، وجربتم الثقة في الله فأتت بالعجائب، شدوا الحيازم واعتمدوا على الله وثقوا بعونه ولا يدخل اليأس قلوبكم من عثرة الخطأ فرب نجاح باهر وليد هزيمة مرة ... ومعالي الأمور لا يقوى عليها إلا الأفذاذ أصحاب الهمم العالية ...

عن سلمة بن نفيل الكندي قال: (كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل يا رسول الله أذال الناس الخيل ووضعوا السلاح وقالوا لا جهاد قد وضعت الحرب أوزارها فأقبل رسول الله بوجهه وقال: كذبوا الآن الآن جاء القتال ولا يزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق ويزيغ الله لهم قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة وحتى يأتي وعد الله) [286] .

لقد أفتاكم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قال: (كذبوا الآن الآن جاء القتال) ، وقد آلينا على أنفسنا أن لن نحيد عن كلام وحكم وفتاوى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ...

على المجاهد أن يتذكر دوما"وفي أعتى الظروف وأشد القروح ويستحضر الصفقة والبيعة التي عقدها مع مولاه؛ {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} فلا ينقض هذه البيعة ولا يستقيل منها ولا يقبل فيها خيارا أو يبغي عنها حولا أو يرضى بها بدلا."

وما يعينه على ذلك؛ أن يتذكر كرم المشتري وشرف الثمن الذي يقبضه عوضا عن نفسه وماله وعظم الثواب الذي ينتظره على هذه البيعة، ومن ثمة عظم الخسارة إن فرط فيها، فلا يخون أمانته التي تحملها أو ينقض بيعته التي بايع عليها، ويتذكر دوما قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .

ويعنيه الدوام على ما وصف الله تعالى به أهل هذه البيعة؛ {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ} ، فإن هذا مما يقوي اعتصامه بالله ويربط على قلبه ويثبته ويقوّيه ...

ويعينه استحضار ترغيبه سبحانه للمؤمنين ووعيده للخائنين ... فعذاب أعداء الله وسجونهم وأذاهم وإهانتهم وترهيبهم لا يساوي غمسة واحدة في جهنم؛ {وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} ... كما أن ترغيبهم وعطاءهم ووعودهم لا تساوي غمسة واحدة في أدنى درجات الجنة [287] .

-"واعلموا - أصلحكم الله - أن النصرة للمؤمنين والعاقبة للمتقين، وأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وهؤلاء القوم مقهورون مقموعون، والله سبحانه وتعالى ناصرنا عليهم، ومنتقم لنا منهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، فأبشروا بنصر الله تعالى وبحسن عاقبته {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ، وهذا أمر قد تيقنّاه وتحقّقناه، والحمد لله رب العالمين" [288] .

فما هي إلا ساعة ثم تنقضي

أو من يسابق فليبْد في الميدان ..."وأما عن المبادئ ومقتضياتها فإننا نعيد التذكير والتأكيد على ما ندين الله به، رغم ما حل بنا من العناء وما نعانيه من كربات البلاء نسأل الله الثبات على الحق والعزيمة في الرشد وأن نلقاه على ما يرضيه غير مبدّلين:"

-فإننا نشهد الله على إيماننا بأن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون الظالمون الفاسقون.

-وإننا نشهد الله على اعتقادنا بقوله: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} ، وبمعناها كما بينه علماء الإٍسلام الأثبات من قدماء ومعاصرين {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} أي كفار مثلهم.

-وإننا نشهد الله أن حكام بلاد العرب والمسلمين الذين تلبّسوا بهذه وتلك على مرّ تاريخهم ولا سيما في هذا العهد الأمريكي ومنهم حكام الجزائر منذ الإستقلال وإلى الآن ومنهم بوتفليقة هم مثل أقرانهم، كفرة مرتدون خونة محاربون لله ورسوله والمسلمين، ولا تجوز ولايتهم على المسلمين شرعا ولا عقلا، ويجب إسقاطهم مع توفر القدرة على ذلك أو الإعداد له عند العجز ...

-وما زلنا نعتقد أن الديمقراطية مبدأ كفري يتناقض جملة وتفصيلا مع دين الإسلام وأن ممارستها لا تجوز شرعا، فضلا عن أنها مضيعة الأوقات والأعمار، وما جرى في الجزائر وغيرها عبر عشرات السنين يكفي كل عاقل" [289] ."

من ذا الذي يبارز فليقدم نفسه

والله كاف عبده بأمان ... فالله ناصر جنده وكتابه

فقتالهم بالكذب والبهتان ... لا تخش من كيد العدوّ ومكرهم

وجنودهم فعساكر الشيطان ... فجنود أتباع الرسول ملائك

واصبر فنصر الله ربك داني ... فاثبت وقاتل تحت راية الهدى

[266] الدرر السنية.

[267] المجموع: 28/ 420.

[268] الولاء والبراء، الظواهري.

[269] الكلاب تنبح والقافلة تسير، المقدسي.

[270] المجموع: ص413.

[271] المجموع: 28/ 417.

[272] تفسير السعدي، قصة طالوت.

[273] المستدرك على المجموع: 3/ 255.

[274] رفع الإلتباس، لجهيمان العتيبي.

[275] الكلاب تنبح والقافلة تسير، أبو محمد المقدسي.

[276] إعلام الموقعين 1/ 87.

[277] إعلام الموقعين4/ 199.

[278] رواه أحمد عن كعب بن مالك.

[279] الفوائد: ص100.

[280] الاختلافات الفقهية: ص211، أنظر العمدة: ص259/ 260.

[281] الظلال: 1731.

[282] وقفات مع ثمرات الجهاد: ص100، المقدسي.

[283] القافلة تسير والكلاب تنبح المقدسي.

[284] وقفات مع ثمرات الجهاد المقدسي: ص91.

[285] تصنيف الناس بكر أبو زيد.

[286] أخرجه النسائي وأحمد والطبراني والبخاري في التاريخ الكبير، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 1935.

[287] وقفات مع ثمرات الجهاد: ص101/ 102 بتصرف يسير.

[288] المجموع: 28/ 419.

[289] مختصر شهادتي على الجهاد في الجزائر: ص74 بتصرف أبو مصعب السوري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت