ومضى في الأرض يهذي ويسب الماكرينا ... غالبا ما يحاول المنهزم أن يستر سوأته بأعذار هي أقبح من ذنب ... وبيادق المصالحة يتعللون بأن الخيار الجهادي فشل وجاء بالمفاسد ... ورضوا بوضع السلاح مقابل رفع حكم السجن والإعدام عن أنفسهم فقط لا عن جميع إخوانهم ... وهم يوم وقعوا على عقد الذل والخيانة لم يكونوا في موقع يمكنهم من المطالبة بالحقوق إنما هو فتات"حق الماء والهواء"الذي تبرع به الطاغوت عليهم ... حق تشاركهم فيه الحيوانات والحشرات ... أما حديثهم عن الحقوق فجعجعة بلا طحين وإلاّ فليرونا طحينهم ...
وعلى فرض صحة هذا الزعم وأنهم حققوا شيئا يذكر، فأقول لهم: (نعم وقف الإعتقالات والتعذيب الوحشي الذي يمتهن آدمية الإنسان ... وإرجاع الحقوق المسلوبة لأصحابها ... مطلب شرعي نطالب به الأنظمة الظالمة ... ولكن المطلب الأهم والأعلى الذي لا يمكن تجاوزه أو غض الطرف عنه هو الحكم بشرع الله تعالى، لا بشرع الطاغوت، وأن تساس الدنيا بدين الله لا بدين الطاغوت، وأن تكون الكلمة العليا لله تعالى وحده، وليس للطاغوت ... هذا الذي نريده ولأجله نقاتل ونجاهد ... فالقضية من هذا الوجه ليست محصورة في جانب المظالم الشخصية وحسب كما تتصورون ... فحين أرجعت لكم بعض حقوقكم سلمتم أنفسكم وتخليتم عن الجهاد، فأي حركة جهادية هذه، وأي مسلحون هؤلاء الذين لا يعرفون الغضب والإنتقام إلا لأشخاصهم وصفقاتهم، أما حق الله تعالى فلا بواكي له [264] ...
إن قولكم: أن الجهاد جاء بالمفاسد؛ في حقيقته تحريم ما أحل الله وأوجب، وتجريم لحكم الله تعالى وشرعه ووصفه بألقاب من الطعن والذم، والمسألة من هذا الوجه كفر وردّة فاتقوا الله ... لو أنكم اتهمتم أنفسكم العاجزة بالتقصير والتفريط لكان أولى لكم.
كما أن الواجب إن وجدت علة تمنع الخروج على طواغيت الكفر والردة أن تتضافر الجهود لإزالة هذه العلة ولتستأنف قوافل الجهاد السير في الجهاد، هذا هو الحل ... وليس الحل الأدنى علة أو عقبة تعترضنا في الطريق نتخلى عن الجهاد ونرفع رايات الإستسلام والركوع للطواغيت، ونعلن على الملأ فشل العمل بما أمر الله به من الخروج على أئمة الكفر والطغيان وأنه لا يأتي إلا بالمفاسد.
كثير من الحركات تضع نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: اما الخروج على الطاغوت وإما الدخول في طاعته، فإن فشلوا لأسباب من عند أنفسهم؛ أعلنوا الطاعة والولاء والركون للظالمين.
إن الذي يسير في طريق نصرة هذا الدين وإعلاء كلمته والجهاد في سبيله، ينبغي أن يتوقع شيئا من البلاء وأن يروض نفسه على تحمل ذلك ويحملها على الصبر والثبات إذا ما نزل بساحته بلاء ... فليس لأدنى هزة أو بلاء يرفع راية الإستسلام والإنبطاح ويقول يا ليتني لم أكن مع المجاهدين ...
أنتم بالأمس كنتم خيرا مما أنتم عليه اليوم، بالأمس كان الناس يدعون لكم واليوم يدعون عليكم ... وهذه عاجلة بشرى شؤم لكم أن يوضع لكم البغض في قلوب العباد والثناء السيئ على ألسنتهم ... فالباطل لا يوضع له القبول.
لقد سبقكم مئات قبلكم من الإنهزاميين المداهنين لأهل الباطل ومع ذلك لم يتحقق لهم في الأمة إلا البغض والهجر واللّعن على ألسنة الناس، فأنتم تزيدون عدد هؤلاء المنبوذين من الأمة رقما لا أكثر ولا أقل ... قلتم عن ماضيكم بأنه كان خطأ وأعلنتم البراءة منه، وحكمتم على أنفسكم بالجهل والغباء ... فما الذي يضمن لنا ولغيرنا غدا أن تفاجئونا بالحكم على أنفسكم بسبب مبادرتكم هذه أنكم كنتم مخطئين وأغبياء.
ولقد أصبحتم شاهدي زور على الجهاد والمجاهدين ودليلا عند كثير من ضعاف النفوس على بطلان مبدأ الجهاد وأنه لا يجدي نفعا فسننتم سنة سيئة لكم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.
إن قبولكم لنداء الطاغوت في هذا الوقت بالذات كان مؤذيا جدا وذلك من وجهين: أحدهما، انه باطل نسختم به حقا، ثانيا أن الأمة في هذه الأيام تعيش مرحلة مخاض وصراع بين الحق وأهله من جهة وبين الباطل وأهله من أخرى، وتواجه عدوانا عالميا اجتمع فيه الصليبيون والصهاينة والزنادقة المرتدون بقيادة راعية الإرهاب العالمي أمريكا، على الإسلام وأهله، والأمة في هذا الوقت أحوج ما تكون إلى نصير ومعين إلا أنكم أبيتم إلا أن تختاروا الوقوف - وأنتم تعلمون أو لا تعلمون - في صف هذا الفريق الثلاثي الكافر ضد الأمة وضد طليعتها من المجاهدين المخلصين ... وبئس ما اخترتم ...
مددتم بمبادرتكم المشؤومة الطاغوت بحبل من القوة والشرعية والحياة على المستضعفين من المسلمين، في الوقت الذي يلفظ فيه أنفاسه ويتآكل ويفقد رصيده وشعبيته بين الناس ... ضحّيتم بمصالح الدين والتوحيد بزعم الحفاظ على مصالح وهمية وظنية هي في حقيقة أكثرها مفاسد وشر، فلا أنتم على مصالح الدين حافظتم ولا أنتم بمصالح الدنيا حظيتم ... لكن السؤال لا الذي تحسنون الجواب عليه: هو، من المستفيد من هذا الجهد وفي سبيل من يبذل ولصالح من سيصب جهدكم؟ ... لصالح الدعوة إلى الله أم لصالح الدعوة إلى الطاغوت [265] ...
وما دمتم تسمون"تائبون"، ما هي حقيقة توبتكم؟ هل كنتم مسلمين فارتددتم أم كنتم مرتدين فأسلمتم، أيكم دخل في دين الآخر ... ؟!
برز الثعلب يوما في شعار الواعظينا
يا عباد الله توبوا فهو"يقبل"التائبينا ... ويقول؛ الحمد لله إله العالمينا
واطلبوا الديك يؤذن لصلاة الصبح فينا ... وازهدوا في الطير إن خير العيش عيش الزاهدينا
عرض الأمر عليه وهو يرجو أن يلينا ... فأتى الديك رسول من إمام الناسكينا
بلّغ الثعلب عني عن جدودي السالفينا ... فأجاب الديك؛ عذرا يا أضل المهتدينا
أنهم قالوا وخير القول قول العارفينا ... عن ذوي التيجان ممن دخل البطن اللعينا
مخطئ من ظن يوما أن للثعلب دينا
[264] لقد انتصرتم لأنفسكم ولم تنصروا الله ... فلا تسألوا بعدها عن سبب فشلكم وخذلان الله لكم.
[265] مبادرة الجماعة الإسلامية المصرية، لأبي بصير، بتصرف يقتضيه سياق الموضوع.