الصفحة 35 من 44

يقول السيد قطب رحمه الله:(إن تكاليف الخروج من العبودية للطاغوت والدينونة لله وحده ... مهما عظمت وشقت، أقل وأهون من تكاليف العبودية للطواغيت، أن تكاليف العبودية للطواغيت فاحشة مهما لاح فيها من السلامة والأمن والطمأنينة على الحياة والمقام والرزق إنها تكاليف بطيئة طويلة مديدة، تكاليف في إنسانية الإنسان ذاته، فهذه الإنسانية لا توجد والإنسان عبد للإنسان، وأي عبودية شرّ من خضوع الإنسان لما يشرّعه له الإنسان ... وأي عبودية شرّ من تعلّق قلب إنسان بإرادة إنسان آخر ورضاه أو غضبه عليه، وأي عبودية شرّ من أن تتعلق مصائر إنسان بهوى إنسان مثله ورغباته وشهواته؟ وأي عبودية شر من أن يكون للإنسان خطام أو لجام يقوده منه كيفما شاء إنسان ... على أن الأمر لا يقف عند حد هذه المعاني، أنه يهبط ويهبط حتّى يكلف الإنسان في حكم الطواغيت أمواله التي لا يحميها شرع ولا يحوطها سياج، كما يكلّفهم أولادهم إذ ينشئهم الطاغوت كما شاء على ما شاء من التصورات والأفكار والمفهومات والأخلاق والتقاليد والعادات فوق ما يتحكم في أرواحهم وفي حياتهم ذاتها، فيذبحهم على مذبح هواه ويقيم في جماجمهم وأشلائهم أعلام المجد لذاته والجاه ثم يكلّفهم أعراضهم في النهاية حتى لا يملك أن يمنع فتاته من الدعارة التي يريدها بها الطواغيت سواء في صورة الغصب المباشر كما يقع على نطاق واسع على مدار التاريخ، أوفي صورة تنشئتهن على تصورات ومفاهيم تجعلهن نهبا مباحا للشهوات تحت أي شعار وتمهّد لهن الدعارة والفجور تحت أي ستار، والذي يتصوّر أنه ينجوا بماله وعرضه وحياته وحياة أبنائه وبناته في حكم الطواغيت من دون الله إنمّا يعيش في وهم أو يفقد الإحساس بالواقع، إن عبادة الطاغوت عظيمة التكاليف في النفس والعرض والمال ومهما تكون تكاليف العبودية لله هي أربح وأقوم حتّى بميزان هذه الحياة فضلا عن وزنها في ميزان الله، إن الدينونة لله تحرر البشر من الدينونة لغيره وتخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.

وبذلك تحقّق للإنسان كرامته الحقيقية وحريته الحقيقية، هذه الحرية وتلك اللتان يستحيل ضمانهما في ظل أي نظام آخر غير النظام الإسلامي ... لا بد للنّاس من دينونة، والذين لا يدينون لله وحده يقعون من خورهم في شر ألوان العبودية لغير الله في كل جنب من جوانب الحياة ... وأخيرا تجيء تكاليف العبودية لحاكمية التشريع البشرية، وما من أضحية يقدمها عابد الله لله إلا ويقدّم الذين يدينون لغير الله أضعافها للأرباب الحاكمة من الأموال والنفس والأعراض، وتقام أصنام من الوطن ومن القوم ومن الجنس ومن الطبقة ومن الإنتاج ومن غيرها من شتى الأصنام والأرباب وتدق عليها الطبول وتنصب لها الرايات، ويدعى عباد الأصنام إلى بذل النفوس والأموال لها بغير تردد وإلا فالتردد هو الخيانة وهو العار ... إن كل التضحيات التي يقتضيها الجهاد في سبيل الله ليعبد الله وحده في الأرض وليتحرر البشر من عبادة الطواغيت والأصنام ولترتفع الحياة الإنسانية إلى الأفق الكريم الذي أراده الله للإنسان، إن كل هذه التضحيات التي يقتضيها الجهاد في سبيل الله ليبذل مثلها وأكثر من يدينون لغير الله والذين يخشون العذاب والألم والإستشهاد وخسارة الأنفس والأولاد والأموال إذا هم جاهدوا في سبيل الله ... إن تكاليف الجهاد في سبيل الله في وجه طواغيت الأرض كلها لن تكلّفهم ما تكلّفهم الدينونة لغير الله وفوق ذلك كله الذلّ والدّنس والعار، وهناك ظاهرة واضحة متكررة وهي أنه كلما قام عبد من عبيد الله ليقيم من نفسه طاغوتا يعبّد النّاس لشخصه احتاج هذا الطاغوت كي يُعبد ويُطاع ويُتبع إلى أن يسخّر كل القوى والطاقات أولا لحماية شخصه وثانيا لتأليه ذاته، واحتاج حواشٍ وذيول وأجهزة وأبواق تسبّح بحمده وترتّل ذكره وتنفخ في صورته العبدية الهزيلة لتتضخّم وتشغل مكان الألوهية العظيمة وألا تكفّ واحدة عن النفخ في تلك الصورة العبدية الهزيلة وإطلاق الترانيم حولها وحشد الجموع بشتى الوسائل ... وهو جهد ناصب لا يفرغ أبدا لأن الصورة العبدية الهزيلة التي ما تَنِي تنكمش وتهزل وتتضاءل كلما سكن من حولها عن النفخ والطبل والزمر والتسابيح والتراتيل وما تَنِي تحتاج كرّة أخرى إلى ذلك الجهد ... وفي هذا الجهد الناصب تصرف طاقات وأموال وأرواح أحيانا وأعراض ... لو أنفق بعضها في عمارة الأرض والانتاج المثمر لترقية الحياة البشرية ولإغنائها لعاد على البشرية بالخير الوفير، ولكن هذه الطاقات والأموال والأعراض لا تنفق في هذا السّبيل الخيّر المثمر ما دام النّاس لا يدينون لله وحده، وإنما يدينون للطواغيت من دونه، ومن هذه اللمحة تتكشف مدى خسارة البشرية في الطاقات والأموال والعمارة والإنتاج من جراء تنكّبها عن الدينونة لله وحده ... وليس هذا في نظام أرضي دون نظام، وإن اختلفت الأوضاع واختلفت ألوان التضحيات ولقد حدث أن الذين فسقوا عن الدينونة لله وحده فأتاحوا لنفر منهم أن يحكموهم بغير شريعته قد وقعوا في النهاية في شقوة العبودية لغيره التي تأكل إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم مهما اختلفت أشكال الأنظمة التي تحكمهم والتي ظنّوا في بعضها أنها تكفل لهم الإنسانية والحرّية والكرامة.

من أجل ذلك كله تنال قضية الألوهية والعبودية كل تلك العناية في رسالة الله سبحانه، فهي قضية لا تتعلق بعبدة الأصنام والأوثان في الجاهليات الساذجة البعيدة، ولكنّها تتعلق بالإنسان كله وفي كل زمان وفي كل مكان، وتتعلق بالجاهليات كلها، جاهليات ما قبل التاريخ، وجاهليات التاريخ وجاهلية القرن العشرين ... والخلاصة التي ينتهي إليها القول في هذه القضية أن قضية الدينونة والإتباع والحاكمية هي قضية عقيدة وإيمان وإسلام وليست قضية فقه أو سياسة أو نظام، إنها قضية عقيدة تقوم أو لا تقوم وقضية إيمان يوجد أو لا يوجد، وقضية إسلام يتحقق أو لا يتحقق وكذلك فإن قضية العبادة ليست قضية شعائر وإنّما هي قضية دينونة واتباع ونظام وشريعة وفقه وأحكام وأوضاع في واقع الحياة، وإنها من أجل أنها كذلك استحقت كل هذه العناية في المنهج الرباني المتمثل في هذا الدين، واستحقت كل هذه الرسل والرسالات واستحقت كل هذه العذابات والآلام والتضحيات ... ) [227] .

وفي سياق موضوعنا"مشروع العفو الشامل"أو"المصالحة الوطنية"؛ يجب التنبيه أن قبول المشروع لا يعبّر في جوهره عن مرحلة مؤقتة اقتضتها الظروف والضرورات - كما يدّعي أصحابها - وإنما هو استراتيجية ثابتة جديدة ومنهج جديد آخر، ومختلف كليا عن طريق الجهاد والتمكين لدين الله ...

يحمل هذا المشروع المشئوم دلالات كثيرة، أذكر منها ما يلي:

1)تجريم الجهاد والمجاهدين.

2)التوبة من الجهاد وإبطاله.

3)تضييع تضحيات المجاهدين والشهداء نحسبهم كذلك.

4)خذلان قضايا المسلمين وكسر قلوبهم، وتحطيم آمالهم.

5)خذلان الجماعات الجهادية.

6)تشويه كثير من المفاهيم المحكمة لهذا الدين.

7)تضليل العباد وصدهم عن الجهاد.

8)الركون للظلمة والكفار.

9)الرضا بالكفر وجريان أحكامه علينا.

10)"إضفاء الشرعية على الحكومات الكافرة ومؤسساتها ووسائلها، ومجرد الإعتراف بشرعية منهج أو وضع أو حكم من صنع غير الله، هو بذاته خروج من دائرة الإسلام لله" [228] .

11)تبرئة الكفار والمرتدين جرائمهم - 200 ألف قتيل حسب منظمة حقوق الإنسان، وبوتفليقة صرح بـ 100 ألف، و 15 ألف مختطف حسب"حركة الضباط الأحرار"و60 ألف سحين، ولا شك أن الأمر أكثر من ذلك -

12)تجرئة الكفار على المسلمين وتصويب جرائمهم.

13)يعني السقوط والإنهيار والإنسلاخ والإرتداد على الأعقاب بعد معرفة الحق ... وفي الجملة هو انقلاب عن الحق ودخول في الباطل ...

وفي ختام الحديث عن تكاليف الركون؛ أسجل تحذيرين لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

-التحذير الأول:

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} .

قال ابن كثير: (أي فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر، وذلك بسبب قولهم للذين كرهوا شرع الله سنطيعكم في بعض الأمر) .

وإذا كان الأمر بهذا الحزم والخطورة؛ فما يكون القول إذا فيمن يقولون للذين تجاوزوا مرحلة الكره إلى مرحلة المحاربة والعداوة الظاهرة لشرع الله عزّ وجل: سنطيعكم في كل الأمر وكل ما تأمرون به؟! لا شك أنهم أولى في الكفر والإرتداد والخروج من الدين.

قال القرطبي: (سنطيعكم في بعض الأمر أي في مخالفة محمد والتظاهر على عداوته والقعود عن الجهاد معه وتوهين أمره في السر وهم إنما قالوا ذلك سرا فأخبر الله نبيه) اهـ.

وقال الطبري: (وذلك أن الله عز وجل أخبر أن ردتهم كانت بقيلهم للذين كرهوا ما أنزل الله سنطيعكم في بعض الأمر ... ) .

قال ابن تيمية: (فهذا النوع من الموالاة كان سببا في ردة أولئك القوم) [229] .

وقال ابن حزم في"الفصل": (فجعلهم مرتدين كفارا بعد علمهم الحق وبعد أن تبين لهم الهدى بقولهم للكفار ما قالوا فقط، وأخبرنا تعالى أنه يعرف أسرارهم) [230] اهـ.

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: (إذا كان من وعد المشركين الكارهين لما أنزل الله طاعته في بعض الأمر كافرا وإن لم يفعل ما وعدهم به فكيف بمن وافق المشركين الكارهين بما أنزل من الأمر بعبادته وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه من الأنداد والطواغيت والأموات وأظهر أنهم على هدى وأن أهل التوحيد مخطئون في قتالهم وأن الصواب في مسالمتهم والدخول في دينهم الباطل فهؤلاء أولى بالردة من أولئك الذين وعدوا المشركين بطاعتهم في بعض الأمر فلا يترتب لمسلم أن اتباع المشركين والدخول في جملتهم والشهادة أنهم على حق ومعاونتهم على زوال التوحيد وأهله ... من اتباع ما يسخط الله وكراهة رضوانه وإن ادعوا أن ذلك لأجل الخوف فإن الله ما عذر أهل الردّة بالخوف من المشركين بل نهى عن خوفهم، فأين هذا ممن يقول ما جرى منّا شيء ونحن على ديننا) [231] .

وأنت يا من منّ الله عليك بالثبات على الإسلام؛ احذر أن يدخل في قلبك شيء من الريب أو تحسين هؤلاء المرتدين وأن موافقتهم للمشركين وإظهار طاعتهم رأيا حسنا.

قال الشنقيطي: (إن هذه الآيات عامة في كل ما يتناوله لفظها فإن كل ما فيها من الوعيد عام لمن أطاع من كره ما أنزل الله) ، ثم قال: (اعلم أن كل مسلم يجب عليه في هذا الزمن تأمّل هذه الآيات من سورة محمد وتدبّرها والحذر التام ممّا تضمنته من الوعيد الشديد لأن كثيرا ممن ينتسبون للمسلمين داخلون بلا شك فيما تضمنته من الوعيد الشديد، لأنّ عامّة الكفار من شرقيين وغربيين، كارهون لما نزّل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وهوفي هذا القرآن، وما يبينه به النبيّ صلى الله عليه وسلم من السنّة، فكلّ من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لمّا أنزل الله: {سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} ، فهو داخل في وعيد الآية، وأحرى من ذلك من يقول لهم: سنطيعكم في كلّ الأمر، كالذين يتّبعون القوانين الوضعية، مطيعين بذلك للذين كرهوا ما نزّل الله، فإنّ هؤلاء لاشكّ أنّهم ممّن تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، وأنّهم اتّبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه، وأنّه أحبط أعمالهم، فاحذر كلّ الحذر من الدخول في الذين قالوا للذين كرهوا ما نزّل الله: {سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} ) [232] .

ومما له علاقة بموضوع {سنطيعكم في بعض الأمر} ؛ الدخول في ولايتهم وتحت حمايتهم.

وفي هذا يقول الشيخ أبو محمد المقدسي في رسالة"وجوب نصرة المسلمين في أفغانستان/ المسألة السادسة؛ عن حكم الطواغيت وفيها": (فمن نواقض الإسلام أن يدخل المسلم مختارا تحت ولاية الكافر الدينية) اهـ.

وجاء في"الدرر السنيّة في الأجوبة النّجدية"، من"جزء حكم المرتدّ"في رد الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ على من جوّز حماية الكفّار ونائبهم - أي الدخول تحت ولايتهم وأخذ علم منهم بسلامة المال والسفينة [233] - قال: (وأمّا الدخول تحت حماية الكفار، فهي ردّة عن الإسلام، وأخذ العلم منهم لا يجوز، إذا كانوا لم يدخلوا تحت حمايتهم وولايتهم، وليس بمنزلة أخذ الخفير لحماية المال، فإنّ هذا علم وعلامة على أنّهم منقادون لأمرهم، داخلون في حمايتهم، وذلك موافقة لهم في الظاهر) [234] اهـ.

قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ به وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} ، فأخبر تعالى أنّ من النّاس من يعبد الله على حرف، أي على طرف، فإن أصابه خير، أي نصر وعزّ وصحّة وسعة وأمن وعافية ونحو ذلك اطمأنّ به، أي ثبت وقال؛ هذا دين حسن، ما رأينا فيه إلاّ خيرا، وإن أصابته فتنة، أي خوف ومرض وفقر ونحو ذلك، انقلب على وجهه، أي ارتدّ عن دينه ورجع إلى الشرك، فهذه الآية مطابقة لحال المنقلبين عن دينهم في هذه الفتنة سواء بسواء، فإنّهم ... ليسوا ممّن يعبد الله على يقين وثبات، فلمّا أصابتهم هذه الفتنة انقلبوا عن دينهم، وأظهروا الموافقة للمشركين، وأعطوهم الطاعة، وخرجوا عن جماعة المسلمين إلى جماعة المشركين، فهم معهم في الآخرة، كما هم معهم في الدنيا، قال تعالى: {خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} .

هذا مع أنّ كثيرا منهم في عافية، ما أتاهم من عدوّ، وإنّما ساء ظنّهم بالله، فظنّوا أن يديل الباطل وأهله على الحقّ وأهله، فأرداهم سوء ظنّهم بالله، كما قال تعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [235] .

-التحذير الثاني؛ التوبة من الحسنات:

قال شيخ الإسلام رحمه الله:(فأمّا التوبة من الحسنات، فلا تجوز عند أحد من المسلمين، بل من تاب من الحسنات، مع علمه بأنّه تاب من الحسنات، فهو إمّا كافر أو فاسق، وإن لم يعلم أنّه تاب من الحسنات، فهو جاهل ضال، وذلك أنّ الحسنات هي الإيمان والعمل الصالح، فالتوبة من الإيمان هي الرجوع عنه، والرجوع عنه ردّة، وذلك كفر، والتوبة من الأعمال الصالحة رجوع عمّا أمر الله، به وذلك فسوق أو معصية، والله تعالى حبّب إلى المؤمنين الإيمان، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، فكلّ حسنة يفعلها العبد إمّا واجبة وإمّا مستحبّة، والتّوبة تتضمن الندم على ما مضى، والعزم على أن لا يعود إلى مثله في المستقبل.

والندم يتضمّن ثلاثة أشياء: اعتقاد قبح ما ندم عليه وبغضه وكراهته، وألم يلحقه عليه، فمن اعتقد قبح ما أمر الله به إيجابا أو استحبابا، أو أبغض ذلك وكرهه، بحيث يتألّم على فعله ويتأذّى بوجوده، ففيه من النّفاق بحسب ذلك، وهو إمّا نفاق أكبر يخرجه من أصل الإيمان، وإمّا نفاق أصغر يخرجه من كماله الواجب عليه، قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} ، وقال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُون * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} ، وقال عزّ وجلّ: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} ، بل إذا علم العبد أنّ هذا الفعل قد أمر الله به وأحبّه، فاعتقد هو أنّ ذلك ليس ممّا أمر الله وأبغضه وكرّهه، فهو كافر بلا ريب، فمثل هذه التوبة عن الحسنات هي ردّة محضة عن الإيمان، وكفر بالإيمان، قال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوفي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .

فإطلاق القول بأن الحسنات يُتاب منها هو كفر يجب أن يستتاب صاحبه، إذ معناه أنّه يؤمر بالرجوع عن الحسنات، واعتقاد أنّ الرجوع عن الحسنات يقرّب إلى الله، وهذا كفر بلا ريب، ثمّ إنّ هذه التوبة متناقضة ممتنعة في نفسها، فإنّ التائب من الحسنات إن اعتقد أنّ هذه التوبة حسنة، فعليه أن يتوب منها فتكون باطلة فلا يكون قد تاب من الحسنات، وإن اعتقد أنّها سيّئة كان مقرّا بأنّ هذه التوبة محرّمة، فقد التزم أحد أمرين: إمّا أنّه لم يتب من الحسنات، أم تاب توبة محرّمة) .

وقال أيضا: (ولم تأت الشريعة بالتوبة من الحسنات وهي ما أمر الله به من طاعته وطاعة أنبيائه) [236] .

خلاصة ما سلف:

تتميما لما سلف ذكره عن عقبة المساومات في طريق الدعوة والدّعاة، أنقل لك أخي المسلم المجاهد نُتفا من أقوال دعاة عرفوا بنصرة الحقّ وأهله والثبات على الحقّ - نحسبهم كذلك ولا نزكّي على الله أحدا:

-قال سيد قطب رحمه الله: (ولكن الإسلام - كما قلنا - لم يكن يملك أن يتمثل في"نظرية"مجردة، يعتنقها من يعتنقها اعتقادًا ويزاولها عبادة، ثم يبقى معتنقوها على هذا النحو أفرادًا ضمن الكيان العضوي للتجمع الحركي الجاهلي القائم فعلًا، فإن وجودهم على هذا النحو - مهما كثر عددهم - لا يمكن أن يؤدي إلى"وجود فعلي"للإسلام، لأن الأفراد"المسلمين نظريًا"الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلون مضطرّين حتمًا بالإستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوية ... سيتحركون - طوعًا أو كرهًا، بوعي أو بغير وعي - لقضاء الحاجات الأساسية لحياة هذا المجتمع الضرورية لوجوده، وسيدافعون عن كيانه، وسيدفعون العوامل التي تهدد وجوده وكيانه، لأن الكائن العضوي يقوم بهذه الوظائف بكل أعضائه سواء أرادوا أم لم يريدوا ... أي أن الأفراد"المسلمين نظريًا"سيظلون يقومون"فعلًا"بتقوية المجتمع الجاهلي الذي يعملون"نظريًا"لإزالته، وسيظلون خلايا حية في كيانه تمده بعناصر البقاء والامتداد! وسيعطونه كفاياتهم وخبراتهم ونشاطهم ليحيا بها ويقوى، وذلك بدلًا من أن تكون حركاتهم في اتجاه تقويض هذا المجتمع الجاهلي لإقامة المجتمع الإسلامي!) [237] .

-قال محمد قطب: (إنّ المشكلة في هذه الطواغيت؛ ليست مشكلة سطحية قابلة للعلاج برش قليل من الحرية والديمقراطية عليها، إنّها أعمق من ذلك كثيرا في بنية النظام ذاته، في أعماقه لا في الأداة المنفّذة له، ولا في وسائل التنفيذ، والعلاج الأوحد ليس في مزجه بالحرية والديمقراطية، وهو أمر غير ممكن، إنّما هو تغييره من أساسه، وبالرجوع إلى منهج الله دون سواه والحكم بما أنزل الله) [238] .

-قال أبو سعد العاملي: (دور الحركة الإسلامية أصلا؛ هو ليس التصالح مع الواقع القائم ولا حتما الالتقاء معه في وسط الطريق، بل دورها هو تغيير هذا الواقع القائم من أساسه وإزالته بقضّه وقضيضه، لأنّ هذا الواقع الجاهلي مناقض تماما للواقع الإسلامي المنشود ... وعليه فإنّ أيّ احتمال للالتقاء مع هذا المشروع الطاغوتي في وسط الطريق غير وارد، وسيظل كلّ طرف في جهته يقاوم ويصارع من أجل البقاء ومن أجل فرض نفسه ومبادئه على المحيط الذي يتحرك فيه) [239] .

-قال الشيخ المقدسي فكّ الله أسره:(توحيد ربّ العالمين لا يلتقي أبدا مع توحيد الوطنيين - الوثنيين - توحيد العشيرة والقبيلة ونحوه إلاّ في إحدى حالتين.

الأولى: أن ينحرف أهل التوحيد الحقّ عن توحيدهم ويتخلّوا عن لوازمه التي من أوثقها الحبّ في الله والبغض في الله والموالاة والمعاداة فيه.

الثانية: أو أن تبرأ العشيرة والأهل والوطن من الشرك وأهله، فيكفروا بكلّ ما يُتّبع على غير بصيرة من الأديان الباطلة والشرائع والمناهج المخالفة والمناقضة لشرع الله تعالى، سواء كانت قوانين أو دساتير أو مذاهب كالديمقراطية التي هي حكم الشعب وتشريعه وفقا للدستور، لا حكم الله وتشريعه المنزّل من القرآن) [240] .

-قال أبو بصير الطرطوسي: (واعلم أنّ الله غاية عظمى لا تعلوه ولا تقدم عليه غاية، وهذا حقّه عليك يا عبد الله، فإذا حصل الاختيار بين الله تعالى وبين الأوطان والأهل والعشيرة والمال وغير ذلك من زينة الحياة الدنيا وفتنتها، فالمختار والمقدّم هو الله سبحانه وتعالى، فكلّ شيء في سبيله يهون ويرخص، وفي سبيل غيره كلّ شيء يعز ويسمو ... فغيرنا يضحّي في سبيل الطاغوت ولا يبالي، فنحن أولى في أن نضحّي ونستميت في سبيل الله وحده وبخاصّة أنّنا نرجومن الله ما لا يرجون، وهذا من بديهيات لوازم الإيمان والتوحيد الذي يجب على كلّ مسلم أن يدركه وينتبه إليه، وإلاّ فإنّ دعواه الإسلام زعم لا حقيقة له، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} ) [241] .

-قال محمد قطب: (والإسلام سائر في طريق القوّة على الرغم من الضربات الوحشية التي تكال له في كلّ مكان لأنّ طبائع الأشياء كلّها تؤذن بمولد الإسلام من جديد، لأنّ له اليوم دورا في حياة البشريّة لا يقلّ ضخامة ولا قوّة عن دوره الأول في صدر الإسلام. أمّا نحن فلن نجد طريقا مفروشا بالزهور، لابدّ من تضحيات كثيرة كتلك التي بذلها المسلمون الأوائل ليصنعوا العالم بما في الإسلام من خير، ولكنّها تضحيات مضمونة في الأرض وفي السماء، قال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} ) [242] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت