فلا تعجب فهذي سنة الرحمان ... إن كثير من المسلمين يظن أن كل متعبد بفريضة الجهاد لا بد أن ينتصر نصرا ميدانيا وأن الله شرع الجهاد ورتب عليه النصر الحسي فقط لأن مفهوم النصر منحصر عند الكثيرين بالغلبة العسكرية فحسب ولو اتسعت مدارك النّاس وفهموا معنى النّصر لتأكدوا أن كل من ركب ذروة سنام الإسلام لا يمكن أبدا أن يخسر بل هو منتصر على كل الأحوال حتّى لو أسر أو قتل ولو أعطينا مفهوم النّصر حقه لوجدنا أن الأمّة الإسلامية جمعاء لا يمكن أن تخسر بالجهاد بل الجهاد ربح على كل أحواله وإن بدا أحيانا في الميدان غير ذلك ونقف بعبارات يسيرة على بعض معاني النصر، فما لا يدرك جله لا يترك كله.
فمن معاني النصر:
-بخروج المجاهد إلى الجهاد؛ يكون قد حقّق انتصار على نفسه وشيطانه والمحبوبات الثمانية وما تفرع عنها.
-وبخروجه يكون قد حقق نصرا لأنه أصبح من أهل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} .
-وبخروجه يكون قد حقق نصرا على المثبطين من بني جلدته الذين يصدون عن الجهاد بكل سبيل وبكل حيلة.
-ونصر المجاهد يتمثل أيضا؛ في ثباته على طريق الجهاد رغم ما يصيبه من شدة وما يعرض له من تثبيط.
-ويتحقق نصر المجاهد أيضا؛ عندما يخرج ليبذل نفسه ووقته وماله في سبيل مبادئه ونصرة دينه فإن الفداء لهذا الدين هو انتصار بنفسه سواء كانت له الغلبة أو لعدوه، إن الأمة التي تواجه بإيمانها عدوها المدجج بأحدث الأسلحة والعتاد، إنها أمّة منتصرة بشموخها ومبادئها.
-ومن معاني النصر؛ أن ينصر الله عباده نصر حجة وبيان، فبجهاده يظهر الحق ويعلوا كما نصر الغلام.
-ومن معاني نصر الله للمجاهدين؛ أن يهلك عدوهم بقارعة من عنده ويكون سبب تلك القارعة هو جهاد المجاهدين.
-ومن صور النّصر؛ أن يكون الجهاد سببا في فقر الكافرين وموتهم على كفرهم وعدم هدايتهم.
-ومن صور النصر؛ أن يتخذ الله من عباده شهداء فكل عبد يعمل ويكدح لله تعالى أنما من أجل أن يدخل الجنة.
-ومن معاني النصر أيضا؛ حفظ المؤمنين وإبطال كيد الكافرين.
يقول الشيخ السعدي في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ} ، يقول: (يذكر تعالى عباده المؤمنين بنعمة عظيمة ويحثهم على تذكرها بالقلب واللسان، وإنهم كما أنهم يعدّون قتلهم لأعدائهم وأخذ أموالهم وبلادهم وسبيهم نعمة، فليعدّوا أيضا إنعامه عليهم بكف أيديهم عنهم وردّ كيدهم في نحورهم نعمة، فإن الأعداء قد همّوا بأمر وظنوا أنهم قادرون عليه فإذا لم يدركوا بالمؤمنين مقصودهم فهو نصر من الله لعباده المؤمنين ينبغي أن يشكروا الله على ذلك ... وهذا يشمل كل من همّ بالمؤمنين بشرّ من كافرٍ أو منافقٍ وباغٍ كف الله شره عن المسلمين فإنه داخل في هذه الآية) اهـ.
-ومن صور النصر أيضا؛ النصر الميداني، وكثير منهم يحصر النصر به فقط وهذا خلل في المفهوم فلا بد من اصطحاب جميع أنواع النصر وما في معناها، مع العلم أن نصر التمكين والغلبة والسلطان هو الذي سيؤول إليه الحال في نهاية الأمر للأمة الإسلامية، فإن لم يحصل هذا في زماننا فإنه قطعا سيحصل دون أدنى شك فيمن بعدنا ... والنصوص الدّالة على ذلك كثيرة [223] .
قال صاحب"العمدة":(ولنا هنا تنبيهان:
الأول: إذا كان النّصر بيد الله وحده فإن ما عند الله تعالى لا يؤخذ إلا بالأسباب التي شرعها في هذا المقام ... وهذا معناه جهد وبذل ودعوة وصبر متواصل أردت من هذا تنبيه الغافلين القاعدين الكسالى الذين يتمنون على الله الأماني ويرجون نصر الله وهم لم ينصروا دينه بشيء كما أردت تنبيه أولئك الزّائفين الذين يتصدون للعمل الإسلامي في هذا الزمان ولا يسلكون سبيل الجهاد المتعين ولا يأخذون بالأسباب التي شرعها الله لنصرة الدين.
الثاني: وهو لأولئك الآيسين من رحمة الله الذين آيسوا من أن ينهض المسلمون ممّا هم فيه من الذل والهوان، الذين آيسوا من أن يتمكن المسلمون من التغلّب على قوى الكفر العالمية المتربصة بهم، ترى أحدهم يقول كيف تقوم للمسلمين دولة ومعظم البلدان الآن خاضعة لأمريكا أو لروسيا؟ ... وغير ذلك من الكلام الذي يثبّط المسلمين ويفتّ في عضدهم ويجعلهم يستسلمون للأمر الواقع.
وما يؤسف له أن هذه الأراجيف يشيعها بعض من يتصدّون للدعوة الإسلامية في هذا الزمان ولذلك فلا تستغرب مواقفهم المخزية من الطواغيت ومن قوى الكفر المختلفة.
أمّا نحن فنقول؛ أن من ظنّ أن قوى الكفر العالمية بكل مقدّراتها يمكنها أن تحول دون قيام دولة للمسلمين إسلامية الشكل والمضمون فقد ضل ضلالا مبينا، بل هو مكذب بآيات الله تعالى وبوعده الصادق ... فليس النصر بيد أمريكا ولا بيد روسيا ... ومهما بلغت قوى الكفر العالمية من القوى فلن تستعصي على قدرة الله جلّ وعلا ... إن الذين أفزعتهم جنود الكافرين وجيوشهم نسوا قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} ، وإن الذين أفزعتهم أموال الكافرين وسيطرتهم نسوا قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ} ، إن الذين أفزعتهم حصون الكافرين وآلاتهم المانعة نسوا قول الله تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ} ... وإنّ الذين أفزعتهم استخبارات الكافرين نسوا قول الله تعالى: {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} ... لأن حصون الكافرين من الله لا تمنع وإن الجيوش مع بطشه لا تنفع وإن الأموال عنده لا تشفع والخديعة القدرية لا تدفع ... وأعود فأذكر أن فشلنا ذاتي لأسباب في المقام الأول؛ {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} ، وبأن التغيير لا بد أن يبدأ أيضا من الذات، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} ... ) [224] .
"والله أمرنا بالطاعة في الأحوال المختلفة من المنشط والمكره والعسر واليسر، وهو عزّ وجل يحب أعمالا في مواطن من مواطن اليسر وأخرى في مواطن من مواطن العسر فشاءت حكمته أن ينتقل بعباده بين حالَيْ العسر واليسر والرخاء والضر ليعلم سبحانه الشاكرين الصابرين ... وإذا كان هذا في العبادة عموما فإن ذروة السنام وسياج الإسلام الجهاد في سبيل الله الذي تميز بما فيه من القرح والبأس والشدة والألم والجراح والقتل والأسر مع نقصان الأموال والثمرات وتلف الأنفس ... إن هذه الشعيرة العظيمة النفيسة لأبين موطن تظهر فيه هذه العبودية ويخاطب المكلف فيها بالصبر على الحالين، فقد أمر الله الناس: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية} ، وفي حال كهذه الحال وعبادة كهذه العبادة لا يستغرب تراجع من يتراجع ونكوص من ينكص، ولولا ذلك لما كان للإبتلاء والفتنة معنى، ولا ما كان للصابرين الصادقين في الفتن والإبتلاءات ميزة عن غيرهم" [225] .
أخي المسلم أعود فأؤكد لك:
"إذا كانت النصوص المبشرة بالنصر العسكري للأمة والتمكين في الأرض والغلبة والسلطان كثيرة لا يسوغ أبدا أن يتّكل العبد على تلك النصوص ويترك العمل بحجة أن النصر آت لا محالة ولكن يجب عليه إذا فهم معاني النصر أن يكون سبّاقا لها ... لا بد أن يحاول جاهدا أن يحقّق لنفسه شيئا من معاني النصر الأخرى حتّى يأتي وعد الله بالنصر الميداني؛ {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} " [226] .
قال بن القيم:
والحق منصور وممتحن
ولأجل ذلك النّاس طائفتان ... وبذاك يظهر حزبه من حزبه
في الله واخشاه تفز بأمان ... فاصدع بأمر لا تخشى الورى
لا في هواك ونخوة الشيطان ... واهجر ولو كل الورى في ذاته
واصفح بغير عتاب من هو جان ... واصبر بغير تسخط وشكاية
[223] ثوابت على درب الجهاد، بتصرف.
[224] العمدة في إعداد العدة بتصرف: 357 - 359، راجعه بطوله فإنه مهم.
[225] هشيم التراجعات، بتصرف.
[226] ثوابت على درب الجهاد، للعييري رحمه الله.