1)"التصميم على بلوغ الهدف: ضغوط الواقع يجب أن تقابل بإرادة قوية من قبل التجمع الإسلامي المبدئي ويمكن التغلب عليها باستحضار سمو نبل أهدافنا، والقيمة الكبرى للمعركة التي نخوضها مع هذا الواقع لتغييره ليكون تابعا لا متبوعا وهي سنة الأنبياء والمرسلين من قبلنا جاؤوا ليغيروا واقعهم من أساسه وليس من أجل التصالح معه والرضوخ له" [217] .
قال النبي صلى الله عليه وسلم لرسول قريش يوم الحديبية: (إن قريشا قد أنهتكهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويحيلوا بيني وبين النّاس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه النّاس فعلوا وإلا فقد حموّا، وإن هم أبوا؛ فوا الذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره) .
السالفة؛ صفحة العنق وكنّى بذلك عن القتل ... يحتمل أن يكون أراد أن يقاتل حتّى ينفرد وحده في مقاتلتهم.
وقال إبن المنير: (لعله صلى الله عليه وسلم نبّه بالأدنى على الأعلى أي أن لي من القوة بالله والحول به ما يقتضي أني أقاتل عن دينه لو انفردت، فكيف لا أقاتل عن دينه مع وجود المسلمين وكثرتهم ونفاذ بصائرهم في نصر دين الله) [218] .
وقال أبو السعودي في تفسير قوله تعالى: {فَلَا تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ} : (تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم، أي دُم على ما أنت عليه من عدم طاعتهم وتصلّب في ذلك) اهـ.
"فعلى أصحاب الحق أن يستعيدوا ثقتهم في ربهم ثم في أنفسهم ثم يستعدّوا للجولة القادمة ..." [219] .
2)الصبر على طول الطريق:"طريق النصر طريق طويل وشائك ومليء بالقروح والجروح، وعليه فإن الإستمرارية فيه هو عين الصواب، وبأن هذه التضحيات هي الثمن الطبيعي للنصر المرتقب ... يقول ابن القيم في هذا المجال كلمة جامعة بليغة: (إن أوّل الأمر ابتلاء وامتحان، ووسطه صبر وتوكل، وآخره هداية ونصر) " [220] .
"قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ، أي اصبروا على طاعة الله، والجهاد طاعة لله تعالى فيجب على المسلم الصبر على هذه الطاعة وما فيها من مشاق وبذل للمال وغربة عن الأهل وتعرض للجراح، وصابروا على أعداء الله أي نافسوهم في الصبر ... وما يدخل في الصبر، الصبر على أهوال القتال وفقد الإخوان وكَلََب الأعداء، قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} ."
ورضي الله عن أسعد بن زرارة حيث قال عند بيعة العقبة: (رويدا يا أهل يثرب إن إخراجه - أي النبي صلى الله عليه وسلم - اليوم مفارقة للعرب كافة وقتل خياركم وأن تعظكم السيوف، فإن أنتم قوم تصبرون على ذلك؛ فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة؛ فذروه، فبينوا ذلك، فهو أعذر لكم عند الله ... ) .
وممّا يدخل في الصبر؛ الصبر على شبهات المخذلين والمخالفين والمرجفين ... والصبر على طول الطريق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لخباب: (ولكنكم قوم تستعجلون) ، إن الإستعجال يفتح بابا للشيطان ليدفع بالعبد إلى التنازل التدريجي عمّا هو عليه من الحق ظنا منه أنه يختصر الطريق وهو قد ضل الطريق وحاد عنه ... إن هذا التنازل وهذه الحيدة عن الحق عادة ما تغلّف بما يواري السوأة كالقول بأن هذا من الحكمة والسياسة ومصلحة الدّعوة فينبغي أن يعلم المسلم أن اتباع الحق والصبر عليه هو أقصر طريق إلى النصر وإن طال الطريق وكثرت عقباته وقلّ سالكوه وإن الحيدة عن الحق لا يأتي إلاّ بالخذلان وإن سهل طريقها وخيّل لسالكيها قرب الظفر فإنما هي أوهام" [221] ."
وممّا له علاقة بهذه النقطة؛ ضرورة التفريق بين جمال الأفكار المجردة وبين صورتها الواقعية والعملية.
"حين يتحدث النّاس عن الجهاد في سبيل الله تعالى فهذه كلمة جميلة وجميلة جدا ... ولكن واقع الجهاد ليس جميلا كله في كل أحداثه فالجهاد ليس هو هذه الخطب الرنانة، وليس هو تلك الكلمات الجميلة، وليس كله غنائم وسبايا، وليس كله نصر مؤزر، وليس كله خطب نارية، بل فيه موت الحبيب وجرح الصديق، وفيه تطاير الأشلاء وفقد المال وفقد المعين، وبمعنى آخر فيه جانب من المشقة بل المشقة العظيمة ثم فيه اختلاط الجنود وحصول الخصومات بين النّاس، فهذا ضرب هذا، وهذا خاصم هذا، وهذا شط على هذا فهو حركة بشرية وفيه أخطاء واجتهادات وتأويلات، بعضها يستساغ وبعضها ليس كذلك، فهناك حد فاصل بين جمال الفكرة وسموِّها وبين واقعيتها ... إن العيش مع الكتب وبين الكتب ومع الأفكار والقلم والورقة ليس هو الإسلام، إنما الإسلام هو حركة الحياة، حركة البشر - الإنسان - بما فيه من صواب وخطأ فالصواب يقوّى ويدعّم والخطأ يقوّم ويصلّح فعالم الإسلام العملي فيه الصواب وفيه الظلم فيه الصدق وفيه الكذب وكل له مقامه في الإسلام" [222] .
ومما له علاقة بطول الطريق؛ أن تعلم أن الحرب حالة من الصراع الناشب بين معسكرين لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية أو إيديولوجية أو لأغراض توسعية وهي عادة آخر الأوراق بيد السياسة، وحرب العصابات أحد أنواعها، هي حرب بأبسط الأشكال وأرخص الأدوات من قبل طرف فقير ضعيف ضد ظالم قوي يتفوق عليه في العدة والعتاد ... والغرض من الحرب تحطيم القوة المعادية وإرضاخها أو القضاء على العدو واجتثاثه أو إثبات الوجود.
واعلم ثانيا؛ أن الذي يحدد موقف المجاهدين من مراحل حرب العصابات هي قيادة المجاهدين ولا يترك ذلك للأفراد ...
[217] الحركة الإسلامية بين الثبات على المبادئ وضغوط الواقع.
[218] نيل الأوطار، كتاب الجهاد.
[219] مقال لأبي سعد العاملي.
[220] نفس المرجع.
[221] العمدة: ص382 - 383 بتصرف.
[222] الباحث عن حكم قتل أفراد وضباط المباحث، للأزدي، انظر الجهاد والإجتهاد، لأبي قتادة الفلسطيني.