عندما تغيب أو تغيّب الموازين التي يفهم بها الشّرع ويوزن بها الواقع، وتستقل العقول الهزيلة بذلك، تميّع الحقائق الشّرعية والواقعية، ومن ذلك تفسير الهزيمة والنصر بما يحلوا للمنهزم ويستر سوأته، لذلك سنحاول إماطة اللثام عن بعض معاني الهزيمة.
"إنّ الصراع المتمثل بين البشر على هذه البسيطة إنّما هو صراع مبادئ ترجمته الشعوب إلى صراع أبدان وخاصة بين المسلمين ومن سواهم من الكافرين، فبما أنّ أصل الصراع هو صراع مبدأ وصراع عقيدة فبالتأكيد فإنّ التنازل عن هذه المبادئ والمعتقدات يعدّ هزيمة ولو بقيت الأبدان، فلا فائدة من وجودها حينما عُدم المبدأ والمعتقد."
وأول معاني الهزيمة يتمثل في قوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ... الآية} ، فعندما يرتد المسلم على عقبيه ويعلن اتباعه لملة اليهود والنصارى أو أي ملة كفرية أخرى ... سواء كان هذا الإتباع كليا أو جزئيا فإن هذا يعدّ أعلى أنواع الهزيمة حتّى لو حقّق المتّبع رضا اليهود والنّصارى وغيرهم من ملل الكفر وحقّق من الثراء والرياسة والقيادة ما لم يتحقق له بعدم اتباعه لملتهم واتباع الملّة ليس شرطا أن يكون من خلال إعلان المرتد أنه على ملتهم فهذا يندر وجوده في التاريخ ... والحاصل فإن اتباع ملة اليهود والنّصارى تكون بالقول أو العمل أو الإعتقاد وحينما نستصحب هذا التوصيف فما أكثر المهزومين من أبناء المسلمين.
ومن معاني الهزيمة الركون والميل للكافرين وأصحاب الباطل - وقد سبق ذكر شيء من ذلك -
ومن معاني الهزيمة اليأس من نصر الله تعالى وتأييده: ولا ييأس من روح الله إلا الضالون، فالآلة الإعلامية والعسكرية التي حشدها الكفر العالمي لحرب الإسلام جعلت كثير من المسلمين يدب إليه اليأس وينسى موعود الله بالنصر ... فمنهم من ترك العمل والدّعم للمجاهدين بحجة أن القضية خاسرة ... وصور مظلمة كثيرة تحكي عن كثير من المسلمين اليأس والقنوط من نصر الله وتمكينه وبطشه بأعداء الله.
وهذه الصور بكافة أشكالها ومعانيها - حتّى التي ألبست لبوس الفاقة الزائف - كلها تعبّر عن الهزيمة، ونحن اليوم نرى الأمّة الإسلامية لم تعمل ولم تجاهد ولكن عدوها انتصر عليها بالتهديد والدّعاية والإعلام فقط، فلم تجابه عدوها، ولكنها أحسنت وضع العوائق في طريق النصر وأحسنت التعذير لهزيمتها.
ومن معاني الهزيمة؛ التخلي عن راية الجهاد: إن العدو لا يطلب منّا أكثر من التخلي عن راية الجهاد في الوقت الحالي فتخلي المسلمين عن تلك الراية سواء عقديا أو فكريا أو عمليا ولو لمرحلة قصيرة هذا هو معنى الهزيمة التي يوصف بها من غيّر مبادئه أو انقلب عليها أو تبرم منها.
ومن معاني الهزيمة خوف العدو: فالعدومن خلال البطش بالضعفاء يريد إرهاب غيره من خلال أن يسلكوا مسلكه ... فالخوف من العدو هدف يسعى العدو لتحقيقه فخوف المسلمين وخنوعهم وترك شعيرة الجهاد أحب للعدو آلاف المرات من قيامهم للجهاد حتّى لو كانوا ضعفاء سيقتلون، لأن الضعيف يوشك أن يتقوى لخدمة هدفه ومبدئه - الخائف لا هدف له ولا مبدأ ولا عمل فلن يوظف أي شيء لخدمة أعماله، ومتى دبت الهزيمة في أعماق السريرة فلن تنقلب الهزيمة نصرا ..." [216] ."
[216] بتصرف من ثوابت على درب الجهاد، للشيخ يوسف العييري رحمه الله.