"... إنّ المسلم قبل أن ينطلق للجهاد في المعركة؛ يكون قد خاض معركة الجهاد الأكبر في نفسه على الشيطان مع هواه وشهواته، مع مطامعه ورغباته ... مع مصالحه ومصالح عشيرته وقومه ... مع كل شارة غير شارة الإسلام ... ومع كل دافع إلى العبودية لله، وتحقيق سلطانه في الأرض وطرد سلطان الطواغيت المغتصبين لسلطان الله" [211] .
"ودور الحركة الإسلامية أصلا؛ هو ليس التصالح مع الواقع القائم ولا الانقياد له، ولا حتى الالتقاء معه في وسط الطريق، بل دورها هو تغيير هذا الواقع القائم من أساسه وإزالته بقضّه وقضيضه، لأنّ هذا الواقع جاهلي ومناقض تماما للواقع الإسلامي المنشود" [212] .
هذا هو الأصل الذي لا تخلوا منه أدبيات أية جماعة دعوية جهادية، لكن الواقع يسفر عن خلاف ذلك.
وإن كان لا بد من البحث عن الأسباب فيمكننا تسجيل ما يلي:
1)ضعف الرؤية الإيمانية لمفهوم الصراع بين الحق والباطل، حينما يستعلي الباطل وتكون له الغلبة الظاهرية، فتضعف نفوس ويمتلكها الخور، وتقول بلسان الحال والمقال:"أيمكن لفئة قليلة جفّفت منابعها أنّ تصاول تحالفا دوليا؟!"، وينسيها هول المعركة معية الله ودور الإيمان في ترجيح كفة الصراع.
2)غياب الرؤية المستقبلية وضعف الإيمان بالوعد الإلهي بالنصر والغلبة لأصحاب الحق، وبأنّ الحرب سجال، فغلبة الباطل في جولة لا يعني أنّ هذه الغلبة مطلقة ودائمة، أو بأنّ الحق لن يستطيع مقاومته، وعليه بالتالي أنّ يخضع ويستسلم معربا عن تغلب تهديد الطاغوت على وعد الله في ضمير المجاهد.
3)الهروب من القروح ومن الطرق الشائكة من أجل تحقيق النصر، وهذا الأمر يدعو ويجمع الحركة الإسلامية والجهادية إلى البحث عن الوسائل السهلة والناعمة، حتّى وإن أدى بها إلى الوقوع في أحضان القوى الطاغوتية ومسايرتها وفق الشروط التي تفرضها وتقترحها ... وتوقّع الحركة الجهادية على وثيقة السّلم المخزية.
4)التشوق إلى تحقيق النصر والتمكين بأي الوسائل الممكنة وفي أسرع الآجال، ولا شك أنّ نشوة النصر تفقد الإنسان الكثير من الإتزان وتغيّب عنه تلك المقاييس الإيمانية التي يزن بها الأمور، فتختلط عليه الأمور لتصبح الأهداف وسائل، والوسائل أهدافا، أو بعبارة العصر يصبح الإستراتيجي والتكتيكي شيئا واحدا ... والإستعجال يفسد أكثر ممّا يصلح، ومن تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، والتعجل علّة الحرمان [213] .
5)"من الآفات التي تنخر في عقيدة كثير من النّاس اتجاه الجهاد؛ تعليق شعيرة الجهاد بمعركة، فإن انتصرنا في تلك المعركة فهذا يدل على صحة ذلك المبدأ، وإن هزمنا فهذا يدل على بطلان المقدمة والمبدأ، وهذا باطل شرعا وعقلا، وهو ناتج عن الانهزامية وقلة الإيمان وعدم الصبر والمصابرة" [214] .
"فمن أكبر أسباب الضلال في الدعوات على مر العصور؛ مراعاة النتائج ومراقبة الثمرات، وهذا وقع في أصل الإسلام ممن قال الله فيهم: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ... الآية} ، ويقع في الفروع والمناهج والأعمال على درجات ومراتب، واشتراط النتائج في العمل من التكلف ممّا لم يأمر به الله ... والتغيّر عند تغيير النتائج فرع على التعدي على حق الله والتجاوز لحدوده."
والنظر إلى النتائج يكون على وجهين:
الأول: التأثر بضلال الضالين، والضيق بعناد المعاندين ...
الثاني: ترك الحق إن لم يقبله النّاس، أو رأى من نتائجه ما لم يكن يظنه يقع، وهذا حال من ذكر الله عنهم: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ... الآية} ، وهو واد من أودية الضلال - نسأل الله السلامة - وقد وقع من كثير من الدعاة تراجعات عن أصول ومبادئ يستندون فيها إلى التجربة، وهم كمن يزرع ويستعجل الحصاد، فيحرث أرضه ويبطل ما صنع وزرع" [215] ."
[211] معالم في الطريق.
[212] الحركة الإسلامية بين الثبات على المبادئ وضغوط الواقع، لأبي سعد العاملي.
[213] راجع للإستفادة من الحركة الإسلامية بين الثبات على المبادئ وضغوط الواقع، لأبي سعد العاملي.
[214] ثوابت على درب الجهاد، يوسف العييري رحمه الله.
[215] هشيم التراجعات، لعبد الله ناصر الرشيد.