الصفحة 30 من 44

يقول السيد قطب في تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ ... الآية} :(يعدد السياق محاولات المشركين مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وأولها محاولة فتنته عمّا أوحى الله إليه ليفتري عليه غيره، وهو الصادق الأمين، لقد حاولوا هذه المحاولة في صور شتى، منها مساومتهم له أن يعبدوا إلهه في مقابل أن يترك التنديد بآلهتهم وما كان عليه آبائهم، ومنها مساومة بعضهم له أن يجعل أرضه حراما كالبيت العتيق الذي حرمه الله، ومنها طلب بعض الكبراء أن يجعل لهم مجلسا غير مجلس الفقراء، والنص يشير إلى هذه المحاولات ولا يفصلها، ليذكر الله فضل الله على الرسول في تثبيته على الحق وعصمته من الفتنة، ولو تخلى عنه تثبيت الله وعصمته يركن إليهم فاتخذوه خليلا، وتلقى عاقبة الركون إلى فتنة المشركين؛ وهي مضاعفة العذاب في الحياة والممات دون أن يجد له نصيرا منهم يعصمه من الله، هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله.

وهي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائما، محاولة إغزائهم لينحرفوا ولو قليلا عن استقامة الدعوة وصلابتها، ويرضوا بالحلول الوسطى التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثيرة، ومن حملة الدعوة من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هينا، فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق، وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها، ولكن الإنحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الإنحراف الكامل في نهاية الطريق، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة، لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء، والمسألة؛ مسألة إيمان بالدعوة كلها، فالذي يتنازل عن جزء منها مهما صغر، والذي يسكت عن طرف منها مهما ضَئل؛ لا يملك أن يكون مؤمنا بدعوته حق الإيمان، وكل جانب من جوانب الدعوة في نظر المؤمن هو حق كالآخر، وليس فيها فاضل ومفضول، وليس فيه ضروري ونافلة، وليس فيها ما يمكن الإستغناء عنه، وهي كل متكامل يفقد خصائصه كلها، حين يفقد أحد أجزائه، كالمركب يفقد خواصه كلها إذا فقد أحد عناصره.

وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا أسلموا بالجزء، فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة وارتفاع السعر ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها، والتسليم في جانب ولو ضئيل من جوانب الدعوة لكسب أصحاب السلطان إلى صفها؛ هو هزيمة روحية بالإعتماد على أصحاب السلطان في نصرة الدعوة، والله وحده هو الذي يعتمد عليه المؤمنون بدعوتهم، ومتى دبت الهزيمة في أعماق السريرة فلن تنقلب الهزيمة نصرا، ولذلك امتن الله على رسوله صلى الله عليه وسلم أن ثبته على ما أوحى إليه وعصمه من فتنة المشركين له ووقاه الركون إليهم ولو قليلا، ورحمه من عاقبة هذا الركون، وهي عذاب الدنيا والآخرة مضاعفا وفقدان المعين والنصير) [204] .

وتبقى سنة الله القدرية ماضية في اتباع الرسل،"فما من قضية إسلامية إلا ولا بد أن تتعرض للإغراء والتهديد، كأساليب للضغط والمساومة وطلب التنازلات، فهذه سنة قدرية لا بد أن تقع، كما قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} ، وكم من قضية رفعت فيها الراية الإسلامية ويقاتل المسلمون تحتها؛ لتنتهي القضية برفع الراية العلمانية بعد سقوط الآلاف من القتلى" [205] .

"إن الناظر في تاريخ الحركة الإسلامية القريب يرى كيف سقطت ما تسمى كبرى الحركات الإسلامية المعاصرة - وهم الإخوان المسلمون - في فخ الحوار مع الحكومة، بداية من مرشدهم الأول البنّا وإلى الآن، وما حدث في مصر فعلته"حركة الإتجاه الإسلامي"في تونس بقيادة راشد الغنوشي، التي أوهمت المسلمين بأن عداء الإسلاميين نحو شخص"بورقيبة"لا نحو نظام كافر، والمسلسل على طول الخط يبدأ بالحوار ثم المفاوضات ثم التنازلات عن المبادئ من خلال الإعتراف بشرعية الحكومات الكافرة ومؤسساتها ووسائلها الكفرية وإنكار الجهاد واصمين إياه بالعنف والإرهاب، وتمييع قضايا الدين والعقيدة في نفوس المسلمين، ليطول بهم عصر التيه تحت هيمنة النظم الكافرة التي نجحت في احتوائهم وتحويلهم إلى طابور خامس - عملاء - يمزق جسد الحركة الإسلامية ويصيبها بالتخدير والشلل" [206] .

ويتكرر السيناريو نفسه عندنا في الجزائر مع"الإخوان العالميين"بقيادة محفوظ نحناح؛ والحق أن ما يقال عن الإخوان يقال عن الجماعات الأخرى، وقيادات دينية وسياسية في عالمنا الإسلامي استجابت للمساومات وباعت قضايا الإسلام والمسلمين بعرض من الدنيا قليل، وكانت أشبه بملوك طوائف الأندلس ...

ومما يتعلق بالعمل المسلح، أنقل لك نموذجين من تاريخ الجزائر:

-الأول؛ أيام حركة المقاومة للأمير عبد القادر:

فحين احتلت فرنسا الصليبية الجزائر قوبلت بمقاومة عنيفة وهجرة واسعة للمسلمين من وطنهم الجزائر، فأرادت أن تعرف السر، فدست جاسوسا تظاهر بالإسلام داخل جيش الأمير، فأدرك أن السر هو عقيدة المسلمين التي تحرم عليهم العيش تحت حكم الكافر، وتوجب عليهم جهاده أو الهجرة.

وهداها شيطانها إلى الإستعانة بخصوم الأمير من الطرق الصوفية، فحبّر لهم فتوى تجيز للمسلم أن يعيش تحت حكم الكافر إذا سمح له بإقامة شعائره الدينية، وطار سفيرها مصحوبا بالصوفي العميل إلى القيروان والإسكندرية والحجاز، ليحصل على تزكية الفتوى من علماء المسلمين، وتمّ لفرنسا ما أرادت، ووزعت الفتوى في أوساط المسلمين الجزائريين.

ويعيد التاريخ نفسه ويقدم مشايخ السلفية - سامحهم الله - خدمة جليلة للطاغوت الذي وزع الأشرطة مجانا، ونثرت مروحياته نصائح بخط ابن عثيمين رحمه الله نعم خدموا الطاغوت من حيث شعروا أو لم يشعروا، وعند ربك تجتمع الخصوم.

-الثاني؛"مشروع سلم الأبطال":

أثناء حرب التحرير الجزائرية تصدعت عنجهية فرنسا على صخرة الصمود والمقاومة، وبعد تغافل فرنسا بدأت تبحث عن محاور غير جبهة التحرير، لكنّها فشلت بفضل التفاف الشعب حول جبهة التحرير ... وتعرض المساومات تلو المساومات، وتسقط الحكومات تلو الحكومات.

ويعود"ديغول"ليجد حلا لمأزق الجمهورية، فكان من خططه"مشروع سلم الأبطال"، المتمثل في الإستسلام اللا مشروط مقابل عفو فرنسا ... هذا المشروع اللعين رفضته"جبهة التحرير"رغم استجابة الكثير من المقاتلين فرادى - وسموا يومئذ خونة - واستمر الصمود والكفاح حتى جاء الإستقلال - بخيره وشره -

وفي هذه الحقبة من الزمن من تاريخ جهادنا المبارك؛ حاول الطاغوت أن يحتكم إلى سياسة الإستئصال، لكن صلابة المجاهدين وضرباتهم الموجعة أرغمته على المناورة ... محاورة"شيوخ الجبهة"وهم داخل السجن ليعلنوا الهدنة وينددوا بالإرهاب ... وأنجب الطاغوت"قانون الرحمة"فاتحا باب التوبة أمام المجاهدين، ثم"مشروع الهدنة"ثم"قانون الوئام المدني"، وها نحن اليوم نعيش مخاض"المصالحة الوطنية".

تحركات على كافة الأصعدة، ومشاريع متتالية، كلها تريد، القضاء على الجهاد وتمييع قضايا الإسلام والمسلمين وإضفاء الشرعية على الجاهلية وتحكيمها في رقاب المسلمين.

"... نعم تنصب المصائد ويقام صنم المصلحة، ويسقط المتساقطون ويخون الخونة قضايا الإسلام والمسلمين ويتاجر المتاجرون بآلام الأمة ودماء المجاهدين ... إن من أعظم ما يحز في النفس ويقدح في مروءة الرجال؛ متاجرة المتسلقين من الساسة والدعاة بتضحيات المجاهدين، ليحققوا مكاسب دعوية وسياسية ... للأسف في الوقت الذي تسيل فيه دماء الأبرياء سخية؛ يعانق هؤلاء الخونة الطواغيت ويتزلفون إليهم بالقرابين تنفيذا لمشروع متيران، المتمثل في ضرب الإسلام المتطرف بالإسلام المعتدل، نعم بيادق حرب الأفكار الرامسفيلدية ... لقد فهم زعماء الصحوة الإسلامية اللعبة واستغلوها لصالحهم، وباع كثير - وما زالوا - دينهم بدنيا حكامهم، وآثروا السلامة والمكاسب باسم مصلحة الدعوة، وعند الله تجتمع الخصوم" [207] .

وممّا يجدر التنبيه إليه هنا؛ أن الفكر المصالحاتي شأنه كالفكر الإرجائي، لم يعد مجرد قناعة عند فرد أو أفراد، بل هو منهج يراد له أن يتمكن من عقول شباب التيار الإسلامي، ويسخّر له كل الإمكانات المادية والمعنوية.

وإليك كلام علي الشريف - أحد قيادات الجماعة المصرية - يقول: (أؤكد لك أنّنا لدينا خطوات عديدة في هذا الاتجاه، والخطوة الأولى أننا ذهبنا إلى كل السجون ننشر هذا الكلام ونعلّمه لكل الأفراد، والخطوة الأكبر سوف تكون بعد خروجنا من السجون، فكل شباب التيار الإسلامي لا بد أنّ نصل به إلى قناعة داخلية؛ بأنّ القتال مع الحكومة يأتي بمفاسد ضخمة، ولن نقتصر على مصر وحدها، بل سيكون هذا الفكر الجديد إقليميا وعالميا) [208] .

وعلى هذا المنحى وفي نفس المستنقع؛ سقطت بعض قيادات"الجبهة الإسلامية للإنقاذ"، وخرج علينا عباسي بمبادرة وقف العنف ضد الطاغوت، الذي كان هو أول ضحاياه وغيره ممن رضي لدينه بالدنية، نسأل الله السلامة والعافية.

يقول الأستاذ محمود شاكر: (فقد تمكن الأعداء في الآونة الأخيرة - وفي أشد الأوقات حاجة إلى المنظمات الإسلامية وإلى القيادات الإسلامية الرائدة التي تمثل الإسلام وتحمله بصفاء - تمكنوا من احتوائها والسير بها في طريقهم المنحرف، وأعلنوا ذلك كي تسقط القيادات وتسقط المنظمات، وبالتالي تسقط المفاهيم التي يحملونها، والتي لا تزال معروفة نظريا، لقد أكثر زعماء أكبر منظمة إسلامية في المنطقة العربية، بل بقوا في جعجعة دائمة يظهرون العمل للإسلام زيادة في التمويه على شباب الإسلام والعاملين له ... وهذا التصرف - سواء كان من الأعداء أو من الأدعياء - ليستمر الخداع، ثم تهوي المنظمات والدعاة معا ويصفو الجو للأعداء، وليس الإحتواء غاية، ولكنه وسيلة، لأنّه ستظهر منظمات جديدة وقيادات جديدة، وستستمر الفكرة في طريقها، ولكن الغاية تهديم الأفكار وفضح حامليها مع استمرار قيادتهم والمناداة لفكرتهم، رغم احتوائهم وانقيادهم لغيرهم) [209] .

"... وهذا التمييع هو أخطر ما يعانيه هذا الدين في هذه الحقبة من التاريخ، وهو أفتك الأسلحة التي يحاربه بها أعدائه، الذين يحرصون على تثبيت لافتة الإسلام على أوضاع وعلى أشخاص؛ يقرر الله سبحانه في أمثالهم أنّهم مشركون، لا يدينون دين الحق، وأنّهم متخذون أربابا من دون الله، وإذا كان أعداء هذا الدين يحرصون على تثبيت لافتة الإسلام على تلك الأوضاع وهؤلاء الأشخاص؛ فواجب حماة هذا الدين أنّ ينزعوا هذه اللافتات الخداعة، وأنّ يكشفوا ما تحتها من شرك وكفر واتخاذ أرباب من دون الله" [210] .

[204] الظلال: 4/ 2245 - 2246.

[205] العمدة: ص48.

[206] بتصرف من الحوار مع الطواغيت، للظوهري، وانظر مبادرة الجماعة الإسلامية المصرية اعتراف بالخطأ أو انهيار وسقوط، لأبي بصير؛ لنقف على نتائج جريمة الحوار.

[207] مختصر شهادتي على الجهاد في الجزائر، أبي مصعب السوري: ص57.

[208] مبادرة الجماعة المصرية، لأبي بصير.

[209] التاريخ الإسلامي 9/ 706.

[210] الظلال: 3/ 1643.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت