أصل هذه المسألة؛ حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا؛ أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفرًا بواحا عندكم من الله فيه برهان) [متفق عليه] .
حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم علق منازعة الحكام والخروج عليهم بالسيف على ظهور الكفر البواح بالدليل، وقد سبق أن سقنا من أقوال أهل العلم ما يدل دلالة واضحة وضوح الشمس على أن تحكيم غير شريعة الله عز وجل - مهما كان مصدرها واسمها - فساد في الأرض ومحاربة لله ورسوله، وهي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة، لا يشك في كفر الحاكمين بها إلا من طمس الله بصيرته، ولا عذر لأحد في العمل بها أو الخضوع إليها أو إقرارها ... ولا ينفعه التسمي باسم الإسلام أو إظهار بعض شعائر الإسلام؛ لإتيانهم ما ينقض أصل الإسلام، ومن تجردّ لله عرف الحق.
قال النووي في فقه حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: (قال القاضي عياض رحمه الله: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل ... ) ، إلى قوله: (فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة؛ خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه، فإن تحققوا العجز؛ لم يجب القيام، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه) [89] .
ولقد سبق كلام ابن كثير في وجوب قتال هذا الحاكم حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير.
ونقل على ذلك الإجماع ابن تيمية، الذي قال في موضع آخر - بعد ذكر أصناف الكفار الذين يقاتلون أصليين ومرتدين - قال: (كلهم يجب قتالهم بإجماع المسلمين، حتى يلتزموا شرائع الإسلام، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وحتى تكون كلمة الله - التي هي كتابه وما فيه من أمره ونهيه وخبره - هي العليا) [90] .
وقال لما سئل عن قتال التتار: (وإذا كانت السنة والإجماع متفقين على أن الصائل المسلم إذا لم يندفع صوله إلا بالقتل؛ قُتل، وإن كان المال الذي يأخذه قيراطًا من دينار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، من قتل دون حرمه فهو شهيد"، فكيف بقتال هؤلاء الخارجين عن شرائع الإسلام، المحاربين لله ورسوله، الذين صولهم وبغيهم أقل ما فيهم؟ فإن قتال المعتدين الصائلين؛ ثابت بالسنة والإجماع، وهؤلاء معتدون صائلون على المسلمين في أنفسهم وأموالهم وحرمهم ودينهم، وكل من هذه يبيح قتال الصائل عليها، ومن قتل دونها فهو شهيد، فكيف بمن قاتل عليها كلها؟) [91] .
والإجماع الذي ذكره القاضي عياض؛ نقله ابن حجر عن ابن بطال [92] وعن ابن التين عن الداودي [93] وعن ابن التين [94] .
وقرره ابن حجر مفيدا لعموم قوله: (وملخصه؛ أنه ينعزل بالكفر إجماعا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك) [95] .
وقال مالك: (الأمر عندنا فيمن منع فريضة من فرائض الله تعالى فلم يستطع المسلمون أخذها منه؛ كان حقا عليهم جهاده) .
مما سبق يتبين لنا؛ أن الحاكم المرتد إن لم تكن له منعة وجب خلعه على الفور، ويُعْرض على القاضي - المسلم الحاكم بشريعة الإسلام - فإن تاب وإلا قتل، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) .
قال الصنعاني: (الحديث دليل على قتل من بدل دينه - أي المرتد - وهذا إجماع) [96] .
وقال الشوكاني: (باب قتل المرتد) ، ثم ذكر الحديث وقال: (ظاهره العموم في كل من وقع منه التبديل) [97] .
وإن تاب؛ لم يرجع إلى ولايته، كما هي سنة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ولا استعمل عمر قط، بل ولا أبو بكر على المسلمين؛ منافقا، ولا استعملا من أقاربهما، ولا كان تأخذهما في الله لومة لائم، بل لما قاتلا أهل الردة وأعادوهم إلى الإسلام؛ منعوهم ركوب الخيل وحمل السلاح حتى تظهر صحة توبتهم، فهؤلاء لما تخوف منهم أبو بكر وعمر نوع نفاق لم يولّهم على المسلمين) [98] .
وإن كان الحاكم المرتد ممتنعا بطائفة تقاتل دونه؛ وجب قتالهم، وكل من قاتل دونه فهو كافر مثله، لقول الله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} ، فيقاتل كل هؤلاء قتال المرتدين، وإن كانوا ينطقون بالشهادتين ويظهرون بعض شعائر الإسلام لإتيانهم بما ينقض أصل الإسلام [99] .
قال في المسوى: (من ارتد عن الإسلام إن كان في منعة من قومه؛ جمع الإمام المسلمين وقاتلهم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} ، وفي هذه الآية إخبار عما علم الله تعالى وقوعه، وقد ارتد أكثر العرب [100] زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فبعث إليهم المسلمين وقاتلهم حتى رجعوا، وعلى هذا أهل العلم، ومن ارتد عن الإسلام وليس له منعة؛ قُتل، وعليه أهل الإسلام) [101] .
قام الخلفاء وملوك الإسلام في عصور مختلفة بإقامة حكم الله تعالى في المرتدين، تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يخفى موقف الصديق تجاه المرتدين وقتالهم، وسار على ذلك بقية الخلفاء الراشدين ومن تبعهم، كما فعل علي بالزنادقة، واشتهر المهدي الخليفة بمتابعة الزنادقة المرتدين.
وأمر"بني عبيد القداح"لا يخفى، فإنهم ظهروا على رأس المئة الثالثة؛ فادّعى عبيد الله أنه من آل ذرية فاطمة وتزيّ بزيّ الطاعة والجهاد في سبيل الله، فتبعه أقوام من أهل المغرب، وصار له دولة كبيرة في المغرب ولأولاده من بعده، ثم ملكوا مصر والشام وأظهروا شعائر الإسلام وإقامة الجمعة والجماعة ونصبوا القضاة والمفتين، ولكنهم أظهروا أشياء من الشرك ومخالفة الشرع، وظهر منهم ما يدل على نفاقهم؛ فأجمع أهل العلم على أنهم كفار وأن دارهم دار حرب، مع إظهار شعائر الإسلام وشرائعه، وفي مصر من العلماء والعباد وناس كثير، وأكثر أهل مصر لم يدخل فيما أحدثوه، ومع ذلك أجمع أهل العلم على ما ذكرنا.
حتى أن بعض أكابر العلماء المعروفين بالصلاح قال: (لو أن معي عشرة أسهم لرميت واحد للنصارى المحاربين، ورميت بالتسعة في بني عبيد) .
فائدة؛ معنى الامتناع:
سبق في كلامنا عبارة"الممتنع بشوكة"، مما يحتم علينا تفسير معنى المنعة.
الإمتناع يرد على معنيين:
-امتناع عن العمل بالشريعة جزئيا أو كليا؛ كترك الصلاة والزكاة، وهذا الإمتناع هو الذي تردد ذكره في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية: (أيما طائفة امتنعت عن شرعة من شرائع الإسلام) ، والممتنع عن الشرع بهذا المعنى؛ قد يكون كافرا أو فاسقا بحسب ما امتنع عليه.
-امتناع عن القدرة؛ أي قدرة المسلمين أن يوقفوه ويحاسبوه ويحاكموه لشرع الله.
قال ابن تيمية: (معنى القدرة عليهم؛ إمكان الحد عليهم لثبوته بالبيّنة، وكونهم في قبضة المسلمين) [102] .
وقال أيضا: (وهذا كله إذا قدر عليهم، فأما إذا طلبهم السلطان أو نوابه؛ لإقامة الحد بلا عدوان، فامتنعوا عليه، فإنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء، حتى يقدر عليهم كلهم) .
وقال: (العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصي اللّه ورسوله نوعان؛ أحدهما: عقوبة المقدور عليه، من الواحد والعدد، كما تقدم، والثاني: عقاب الطائفة الممتنعة، كالتي لا يقدر عليها إلا بقتال) [103] .
ولا تلازم بين النوعين، فقد يكون الممتنع عن العمل بالشريعة؛ مقدورًا عليه في دار الإسلام، كمن امتنع عن الزكاة وهو فرد مقدور عليه في دار الإسلام، وقد يجتمعان، فيمتنع الممتنع عن الشريعة بدار كفر أو بشوكة وطائفة وقانون وسلطان دولة، بحيث لا يتمكن المسلمون من إنزاله على حكم الله تعالى وإقامة حد الله عليه.
والممتنع عن القدرة، قد يكون محاربًا باليد، وقد يكون محاربًا باللسان فقط [104] .
والإمتناع عن القدرة يتأتى بأمرين: اللحوق بدار الحرب حيث لا سلطان، أو الإمتناع بطائفة وشوكة، أي بأعوان وسلاح.
ثمرة الفائدة:
نص العلماء على أن الممتنع عن القدرة لا تجب استتابته، فمن باب أولى المحارب الذي داهم ديار المسلمين واحتلها وتسلط على مقاليد الحكم فيها.
وقال ابن تيمية: (ولأن المرتد لو امتنع بأن يلحق بدار الحرب، أو بأن يكون المرتدون ذوي شوكة يمتنعون بها عن حكم الإسلام، فإنه يقتل قبل الاستتابة بلا تردد) [105] اهـ.
وقال أيضا: (على أن الممتنع لا يستتاب، وإنما يستتاب المقدور عليه) [106] اهـ.
وقد فرق شيخ الإسلام أيضًا في مواضع عديدة من كتبه بين المرتد ردة مغلظة - وهو الذي يضيف إلى ردته الامتناع أو المحاربة والقتل أو القتال - فيقتل بلا استتابة، وبين المرتد ردة مجردة فيقتل إلا أن يتوب [107] .
وقال: (فكل من بلغته دعوة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى دين اللّه الذي بعثه به فلم يستجب له؛ فإنه يجب قتاله {حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} ) [108] .
"إذن فالممتنع عن شرائع الإسلام والممتنع عن النزول على حكم الله، والمحارب للمسلمين الخارج عن قدرتهم وحكمهم - سواء امتنع بدولة الكفر أو بقوانينها أو بجيوشها ومحاكمها - هذا قد جمع بين نوعي الامتناع، فلا يجب تبين الشروط والموانع في حقه قبل التكفير والقتال ... إذ هو لم يسلم نفسه للمسلمين، ولا سلم بشرعهم وحكمهم حتى ينظر له في ذلك ... فلا يقال قي حق من كانوا كذلك؛ أنهم لم تقم عليهم الحجة، كما يهذر به بعض من يهرف بما لا يعرف، خصوصًا إذا كانوا محاربين مقاتلين لنا في الدين، وقد تسلطوا على ديار الإسلام وامتنعوا بشوكتهم عن شرائعه، وأقاموا وفرضوا شرائع الكفر والطاغوت" [109] .
معنى الإستتابة:
ويراد بالاستتابة معنيان أيضًا:
الأول: طلب التوبة ممن حكم عليه بالردة.
الثاني: تبين الشروط والموانع قبل الحكم عليه بالردة [110] .
[89] تأمل الإجماع الذي نقله القاضي عياض على أن الإمامة لا تنعقد لكافر سواء كان أصليا أو مرتدا الحاكم المسلم لو طرأ عليه الكفر انعزل وسقطت ولايته ووجب الخروج عليه، فالقضية من هذا الوجه مجمع عليها لا يجوز فيها الخلاف. تحقق العجز يخرج به الشك والظن، هذا الواجب المجمع عليه يقوم به من تيسر من المسلمين، عند العجز يجب الهجرة من بلد يحكمها الكافر لا يرضى بحكمه ومباركته.
[90] المجموع: 28/ 410.
[91] المجموع: 28/ 541.
[92] فتح الباري: 13/ 7.
[96] سبل السلام.
[97] نيل الأوطار.
[98] المجموع: 35/ 65.
[99] راجع العمدة: ص309.
[100] ذكر شيخ الإسلام في منهاج السنّة 7/ 217: (أن أتباع مسيلمة الكذاب وحده كانوا نحو مائة ألف أو أكثر) .
[101] الروضة الندية، ط دار ابن حزم: ص694.
[102] الصارم: ص507.
[103] المجموع: 28/ 317 - 349.
[104] وانظر الصارم المسلول: ص388
[105] الصارم المسلول: ص322
[106] الصارم المسلول: ص325 - 326
[107] أنظر على سبيل المثال الفتاوى: 20/ 59.
[108] المجموع: 28/ 350.
[109] انظر الثلاثينية: ص68 - 69، والجامع في طلب العلم الشريف: 686 - 687.
[110] الثلاثينية: ص69.