38 -قوله (مس) : «أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ أَبِي سَعِيدٍ مُسْنَدًا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» . اهـ
• قلتُ: هذا الحديث يرويه الأعمش، واختُلف عنه:
1 -فرواه قتادة بن الفضيل ( [1] ) ، عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
2 -ورواه سهيل بن أبي صالح، واختُلف عنه:
> فقال فليح بن سليمان ( [2] ) : عنه، عن أبيه، عن أبي هريرة. لَزِمَ الطريقَ.
> وخالفه الدراوردي ( [3] )
> وإسماعيل بن جعفر ( [4] )
> وعبد العزيز بن أبي حازم ( [5] ) فقالوا: عن سهيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
3 -ورواه أبو معاوية ( [6] )
4 -ووكيع بن الجراح ( [7] ) ، عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد.
5 -ورواه عمرو بن قيس الملائي ( [8] ) فقال: عن الأعمش، يرفعه إلى أبي سعيد الخدري.
6 -ورواه عبد الرحمن بن مغراء ( [9] ) ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو عن جابر.
7 -ورواه أبو أسامة، واختُلف عنه:
> فقال يوسف بن موسى ( [10] ) : عنه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو عن جابر.
> وخالفه غيره ( [11] ) فرواه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن رجلٍ مِن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
8 -ورواه حفص بن غياث، واختُلف عنه:
> فقال أبو هشام الرفاعي ( [12] )
> وسعيد بن عمرو الأشعثي ( [13] ) : عنه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
> وقال سهل بن عثمان ( [14] ) : عنه، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر. وعن أبي صالح، عن أبي هريرة.
> وقال مسدد ( [15] ) : عنه، عن الأعمش، عن أبي سفيان وأبي صالح، عن جابر. وذِكْرُ أبي سفيان وهمٌ.
> وخالفهم حبان بن هلال ( [16] ) فقال: عن حفص، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن رجلٍ مِن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُراه عن جابر.
والأشبه أن يكون الاختلاف في هذا الحديث مِن الأعمش، يدلُّ عليه قول أبي معاوية ووكيع: «شكَّ الأعمشُ» . وقد رواه الأعمش على أكثر مِن وجه: عن صحابي يَظُنُّ أنه جابر، وبالشك عن جابر أو عن أبي هريرة، وبالشك عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد، وعن أبي هريرة مِن غير شك. فهنا اختلف الأعمش وطلحة عن أبي صالح في وَصْل الحديث: فأرسله طلحة، وشكَّ الأعمش في الصحابي. ونظرًا لهذا الاختلاف، أَعْرَضَ البخاريُّ عن هذا الحديث رأسًا وأَخْرَجَ نحوَه مِن وجهٍ آخر سالمٍ مِن العِلَّة مِن حديث سلمة بن الأكوع ( [17] ) .
وهذا الحديث قد تكلَّم فيه أيضًا الدارقطني في التتبع، فقال بعدما ذَكَرَ حديث طلحة ( [18] ) : «وأخرجه أيضًا مِن حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو أبي سعيد. واختُلف فيه على الأعمش، وقيل: عن أبي صالح، عن جابر أيضًا. وكان الأعمش يَشُكُّ فيه» . اهـ فجَعَلَ الحَمْلَ فيه على الأعمش. وقد أَوْرَدَ الدارقطنيُّ هذا الحديثَ في موضعين مِن كتاب العلل، والظاهر أنه اختَلَف فيهما حُكمُه على الحديث. فقال في مسند أبي هريرة في معرض الاختلافات ( [19] ) : «ورواه طلحة بن مصرف، واختُلف عنه: فرواه عبيد الله الأشجعي والمرزبان بن مسروق والد مسروق، عن مالك بن مغول، عن طلحة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وخالفهم أبو أسامة وابن نُمَيْر وغيره، رووه عن مالك بن مغول، عن طلحة، عن أبي صالح مرسلًا. والمحفوظ: عن أبي صالح، عن أبي هريرة» . اهـ إلاَّ أنه قال في مسند جابر بعد أن توسَّع في ذِكْر الاختلافات على الأعمش بأزيد مِمَّا في الموضع الأول ( [20] ) : «ورواه أبو أسامة، عن مالك بن مغول، عن طلحة، عن أبي صالح مرسلًا، عن النبي صلى الله عليه وسلم. والصحيح مرسلًا» . اهـ
قال ابن الصلاح ( [21] ) : «هذا الحديث مِمَّا استدركه الدارقطني وعَلَّله مِن جهةِ أنَّ أبا أسامة وغيره رووه عن مالك بن مغول، عن طلحة، عن أبي صالح مرسلًا. وقد أخرجه مسلمٌ أيضًا مِن حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد. فتكلَّم عليه الدارقطني أيضًا، وذَكَرَ أنه اختُلف فيه على الأعمش فقيل فيه أيضًا: عنه، عن أبي صالح، عن جابر. وكان الأعمش يشكُّ فيه. وهذا الاستدراك مِن الدارقطني - مع أكثر استدراكاته على الشيخين - قدحٌ في أسانيدهما غيرُ مُخْرِجٍ لمتون الحديث مِن حيز الصحة. فذَكَرَ في هذا الحديث أبو مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقي الحافظ فيما أجاب به الدارقطنيَّ عن استدراكاته على مسلم: أنَّ الأشجعي ثقةٌ مجودٌ، فإذا جوَّد ما قصَّر فيه غيرُه حُكِمَ له به. ومع ذلك فالحديث له أصلٌ ثابتٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم برواية الأعمش له مسندًا، وبرواية يزيد بن أبي عبيد وإياس بن سلمة بن الأكوع، عن سلمة. قلتُ: رواه البخاري، عن سلمة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأمَّا شَكُّ الأعمش فهو غير قادحٍ في متن الحديث، فإنه شَكَّ في عين الصحابي الراوي له. وذلك غير قادح، لأنَّ الصحابة كلهم عدول» . اهـ
وقال النووي بعد أن أورد كلام ابن الصلاح ( [22] ) : «وهذان الاستدراكان لا يستقيم واحدٌ منهما. أمَّا الأول: فَلِأَنَّا قدَّمنا في الفصول السابقة أنَّ الحديث الذي رواه بعضُ الثقات موصولًا وبعضهم مرسلًا، فالصحيح الذي قاله الفقهاء وأصحاب الأصول والمحققون مِن المحدثين: أنَّ الحُكم لروايةِ الوصلِ سواءٌ كان راويها أقلَّ عددًا مِن رواية الإرسال أو مساويًا، لأنها زيادةُ ثقةٍ. فهذا موجودٌ هنا، وهو كما قال الحافظ أبو مسعود الدمشقي جوَّد وحَفِظَ ما قصَّر فيه غيرُه. وأمَّا الثاني: فلأنهم قالوا: إذا قال الراوي (حدثني فلان أو فلان) وَهُمَا ثقتان، احتُجَّ به بلا خلاف. لأنَّ المقصودَ الروايةُ عن ثقةٍ مسمَّى، وقد حصل. وهذه قاعدةٌ ذكرها الخطيب البغدادي في الكفاية وذَكَرَها غيرُه، وهذا في غير الصحابة. ففي الصحابة أَوْلَى، فإنهم كلهم عدول. فلا غرض في تعيين الراوي منهم» . اهـ
• قلتُ: أمَّا الجواب الأول بأنَّ الحُكم لِمَن وَصَلَ لأنه ثقةٌ وزيادته مقبولة، فقد سبق بيانه ومذهب مسلمٍ فيه. وأمَّا الثاني فليس الدارقطنيُّ بِمَن يَجهل عدالة الصحابة حتَّى يجاب عليه بمِثل هذا الجواب! وإنما وجه انتقاد الدارقطني هو أنَّ الأعمش قد لا يكون ضَبَطَ هذا الحديثَ، لأنه كان يرويه على أكثر مِن وجه. فعَدَمُ جَزْمِه عن أبي صالح بالصحابي مع مخالفةِ طلحة بن مصرف له وروايتِه الحديثَ عن أبي صالح عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، هذا يقوِّي جانبَ الإرسال في هذا الحديث. فصار الحديثُ على هذا النحو مختلفًا في صحته، فيكون الأَوْلَى عدم إخراجه في الصحيح.
والدارقطني في استدراكاته إنما يحاكم البخاريَّ ومسلمًا إلى المذهب الذي هُم جميعهم عليه، وهو الخبير بالصحيحين العارف بمنزلة الشيخين في هذا العلم. فكأنه يقول إنَّ هذه الأحاديث التي انتقدها عليهما لا ينبغي إدخالُها في كتابيهما على وفق المذهب الذي ارتضياه في تمييز الأخبار واتَّبعوا فيه أئمةَ الفن. لأنَّ الحديث متى اشتمل على مِثل هذه العلل، صار محلًا للانتقاد ونوزع في تثبيته. وأكثر استدراكات الدارقطني كانت مِن نصيب مسلم لهذا السبب، لأنه رأى أنَّ تلك الأحاديث المختلَف فيها التي أخرجها قد أخلَّت بشرط الصحيح. وكان أحيانًا يعتذر عن مسلم بأنه قد لا يكون بَلَغَهُ بعضُ الطُرُق، فيكون تصحيحُه مبنيًّا على ما وقع عنده مِن الروايات. فيقول مثلًا في أحد الأحاديث ( [23] ) : «واحتمل أن يكون خَفِيَ على مسلم أنَّ ابن عيينة يرويه موقوفًا، لأنه لَعَلَّه لَمْ يَقَعْ عنده إلاَّ مِن رواية عبد الجبار» . اهـ ويقول في آخَر ( [24] ) : «اللهم إلاَّ أن يكون لَمْ يَبْلُغْهُ حديثُ موسى بن أعين الذي فيه الزيادة، فيكون عذرًا له في تَرْكِه» . اهـ وبهذا يبزُّ كتابُ الدارقطني كتابَ ابن أبي حاتم في بيان العلل، لأنه أَوْلَى طُرُقَ الحديثِ عنايتَه وحَظِيَت الاختلافاتُ على الراوة باهتمامه، في حين يكتفي الرازيَّان غالبًا بذِكْر حُكمهما على الأحاديث مِن غير بيان. وإنما استطردتُ في هذا الأمر لرسوخ قدم الدارقطني في هذا الفن، فينبغي أن تكون الأجوبةُ على استدراكاته مراعيةً لِمَا كان عليه أئمةُ النقد مِن المتقدمين، لأنَّ الدفاع عن هذه الأحاديث بالاحتكام إلى قواعد المتساهلين مِن المحدثين يأباه صنيع الشيخين نفسيهما في الصحيحين. والله أعلى وأعلم.
[1] - السنن الكبرى للنسائي 8746.
[2] - أمالي المحاملي رواية ابن مهدي 350 والإيمان لابن منده 89.
[3] - مسند البزار 9191 والسنن الكبرى للنسائي 8745.
[4] - المعجم الأوسط للطبراني 1471 والأقران لأبي الشيخ 9.
[5] - الأقران لأبي الشيخ 10.
[6] - مسند أحمد 11080 وصحيح مسلم 27 ومسند البزار 9190 ودلائل النبوة للفريابي 3 ومسند أبي يعلى 1199.
[7] - نسخة وكيع عن الأعمش 23 وثلاثة مجالس من أمالي ابن مردويه 17 وشرح السنة لأبي محمد البغوي 53.
[8] - فوائد مكرم البزاز 161.
[9] - علل الدارقطني 1502.
[10] - أمالي المحاملي رواية ابن مهدي 349.
[11] - علل الدارقطني 3268.
[12] - الشريعة للآجري 1054.
[13] - علل الدارقطني 3268.
[14] - دلائل النبوة لأبي نعيم 325.
[15] - إتحاف الخيرة المهرة 88.
[16] - علل الدارقطني 3268.
[17] - صحيح البخاري 2484.
[18] - الإلزامات والتتبع ص141 فما بعد.
[19] - علل الدارقطني 1502.
[20] - علل الدارقطني 3295.
[21] - صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح ص177 فما بعد.
[22] - شرح النووي على مسلم 1/ 222.
[23] - الإلزامات والتتبع ص286.
[24] - السابق ص355.