فهي تلك العقيدة القومية التي تسود العالم اليوم والتي تقوم عليها مظاهر الولاء والبراء، والتي تقسم الناس على أساس المواطنة والعرق لا على أساس الديانة، والتي تقوم على أساسها الحروب وتسفك الدماء، والتي يحاول العلمانيون والقوميون تصويرها على أنها الأساس المتين الذي يحفظ كيان الدول والشعوب.
قال الشيخ سيد في الظلال: (( كانت حمية الجاهلية، ونعرة العصبية. كان التعاون على الإثم والعدوان أقرب وأرجح من التعاون على البر والتقوى؛ وكان الحلف على النصرة، في الباطل قبل الحق. وندر أن قام في الجاهلية حلف للحق,. وذلك طبيعي في بيئة لا ترتبط بالله, ولا تستمد تقاليدها ولا أخلاقها من منهج الله وميزان الله. . يمثل ذلك كله ذلك المبدأ الجاهلي المشهور: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» .. وهو المبدأ الذي يعبر عنه الشاعر الجاهلي في صورة أخرى، وهو يقول:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت
غويت، وإن ترشد غزية أرشد! )) أهـ [1]
وهذه بلية أصابت الكثير من الناس في تلك المسألة حيث المحبة والبغض والولاء والبراء في القومية أو القبيلة أو اللغة, بل وحاولوا جعلها ميزانا للولاء والبراء وحاولوا إقامة مجتمعات بل وأمم على هذا الأساس كالأمة العربية مثلا, فحاولوا جمع المسلم والمرتد والكافر يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا أو لا دينيا أو حتى عباد الشيطان والأوثان في خليط واحد وتحت راية واحدة جاهلية ليس لله أو لعقيدة الإسلام فيها نصيب, ويجدر بنا أن نعرج على سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لنتبين كيف واجه النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه البلية:
لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضحا جليا في هذه المسألة فهناك أمور محسومة لا تقبل التمييع أو التجزئة وهكذا كان أتباعه غرباء أول الزمان وهكذا ينبغي أن يكون آخرهم فلا ولاء ولا براء إلا على أسس شرعية متينة, يذكر بن كثير فرقا منها في سيرته: (( مشى رجال من أشراف قريش إلى أبى طالب: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان صخر بن حرب, وأبو البخترى العاص بن هشام، والأسود بن المطلب, وأبو جهل عمرو بن هشام، والوليد بن المغيرة, ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، والعاص بن وائل, .. قال ابن إسحاق: أو من مشى منهم فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه ) )أهـ [2]
هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الجاهلية وأهلها يكشفهم ويتبرأ منهم ولو كانوا من قريش, وهكذا تعلم منه صحابته - رضي الله عنهم - كما في السيرة:
يذكر بن كثير (( كان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأسارى، قال أبو عزيز: مر بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني فقال: شد يديك به، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك.
قال أبو عزيز: فكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها فأستحي فأردها فيردها على ما يمسها! قال ابن هشام: وكان أبو عزيز هذا صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر ابن الحارث، ولما قال أخوه مصعب لأبي اليسر، وهو الذي أسره ما قال، قال له أبو عزيز: يا أخي هذه وصاتك بى! فقال له مصعب: إنه أخي دونك فسألت أمه عن أغلى ما فدى به قرشي، فقيل لها: أربعة آلاف درهم، فبعثت بأربعة آلاف درهم ففدته بها )) .أهـ [3]
وذكر صاحب الروض الأنف: (( وإن كان الإسلام قد رفع ما كان في الجاهلية من قولهم يا لفلان عند التحزب والتعصب وقد سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم المريسيع رجلا يقول يا للمهاجرين وقال آخر يا للأنصار فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوها فإنها منتنة وقال - صلى الله عليه وسلم - من ادعى بدعوى الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا ونادى رجل النابعة الجعدي بعصبة له فضربه أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - خمسين جلدة وذلك أن الله عز وجل جعل المؤمنين إخوة ولا يقال إلا كما قال عمر رضي الله عنه يا لله ويا للمسلمين لأنهم كلهم حزب واحد وإخوة في الدين ِ ) )أهـ [4]
قال الماوردي رحمه الله: (( قوله عز وجل: {إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} يعني قريشًا. وفي حمية الجاهلية قولان:
أحدهما: العصبية لآلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، والأنفة من أن يعبدوا غيرها، قاله ابن بحر.
الثاني: أنفتهم من الإقرار له بالرسالة والاستفتاح ببسم الله الرحمن الرحيم على عادته في الفاتحة، ومنعهم له من دخول مكة، قاله الزهري.
ويحتمل ثالثًا: هو الاقتداء بآبائهم، وألا يخالفوا لهم عادة، ولا يلتزموا لغيرهم طاعة كما أخبر الله عنهم {إِنَّا وَجَدْنَا أَبَاءنا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} )) أهـ [5] .
قال الألوسي رحمه الله:
(( {حَمِيَّةَ الجاهلية} يقال: حميت عن كذا حمية إذا أنفت منه وداخلك عار منه وقال الراغب: أي حمية الملة الجاهلية أو الحمية الناشئة من الجاهلية لأنها بغير حجة وفي غير موضعها [6]
وقال البيضاوي:
{فِى قُلُوبِهِمُ الحمية} الأنفة. {حَمِيَّةَ الجاهلية} التي تمنع إذعان الحق. [7]
(1) في ظلال القرآن - في تفسير الآية (2) من سورة المائدة.
(2) السيرة النبوية لابن كثير - (ج 1 / ص 473)
(3) (السيرة النبوية لابن كثير -(ج 2 / ص 475)
(4) الروض الأنف في الكلام على حلف الفضول .. وروى قريبا منه البخاري ومسلم والترمذي.
(5) تفسير النكت والعيون للماوردي في تفسير الآية
(6) روح المعاني للألوسي - في تفسير الآية 26من سورة الفتح
(7) أنوار التنزيل للبيضاوي - في تفسير نفس الآية