9 -لاهتمامهم بجانب الأخوَّة في الله:
نظرت في سيرة محمد عليه الصلاة والسلام وعلمت أنه لم يشرع له الجهاد إلا بعد تحقيق الأخوَّة في الله بين أصحابه، وحتى ضربوا أروع الأمثلة في الأخوَّة في الله، فعندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان من أوائل الأعمال التي قام بها هي المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، قال الشيخ المباركفوري رحمه الله: [وكما قام النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد مركز التجمع والتآلف، قام بعمل آخر من أروع ما يأثره التاريخ وهو عمل المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلا نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار، آخى بينهم على المواساة ويتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعت بدر، فلما أنزل الله: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} رد التوارث دون عقد الأخوَّة [ (الرحيق المختوم144) ، وروى أبو هريرة قال:"قالت الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخل. قال: لا فقالوا: فتكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة. قالوا: سمعنا وأطعنا"رواه البخاري.
ولما نظرت إلى الجماعات الإسلامية في باب الأخوَّة في الله وجدت جماعتين هي أفضل الجماعات الإسلامية في هذا الباب وهي جماعة التبليغ وجماعة القاعدة، وعندما عملت مقارنة بين الجماعتين وجدت القاعدة أفضل؛ لأن القاعدة وصلت كما جاء عنهم في باب المعارك أنهم يتفادون بالأرواح، فربما يأمر الأمير أصحابه بالانسحاب وهو يقوم بالتغطية والدفاع عنهم؛ حتى يُقتل وينجو أصحابه، وربما في بعض المعارك يأمر الأمير بالانسحاب وهو يحمي ظهورهم فيعصيه بعض الجند لا حبًا في المخالفة ولكن لأنهم يتفادون بالأرواح، فسبحان الله هذه قصص لا تكاد تسمع بها إلا في خواص الأمة المجاهدة عبر تاريخها، وقد عاشرت بعض الجماعات الإسلامية فلم أجد اهتمامًا بباب الأخوَّة في الله مثل ما وجدت عند القاعدة، لقد كنت في المراكز العلمية مع ما فيها من خير وعلم لكن المنصف يلاحظ ضعفًا في باب الأخوَّة في الله عند كثير من الإخوة طلبة العلم، فعندما نقرأ السيرة وننظر إلى حال كثير من طلبة العلم نجد فارقا بيننا، وكنت أعاني من هذا الفراغ لمدة سنوات، وعندما بدأت التواصل مع القاعدة وجدتهم يختلفون كثيرًا عن غيرهم، فتجدهم أكرم وأشد محبة فيما بينهم، بل ويحبون غيرهم بشرط أن يحيي روح الجهاد، وألا ينصب العداء.
اعلم يا من تنشد النصر: أن أي جماعة لم تحقق جانب الأخوَّة في الله لن تستطيع النصر؛ لأن هذا خلاف هدي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لأن هديهم كما عرفت قبل بدء المعارك كانوا على جانب عظيم من الأخوَّة في الله:
أخو ثقة يسير بحسن حاله وقد لا تدنيه من القرابة
أحب إليَّ من ألفي قريب تبيت صدوره لي مسترابة
فكيف تريد جماعة تحقيق نصر وهم يبخلون فيما بينهم؟ وترى ضعف ظاهرة الإيثار فيما بينهم؟ ويأخذون أشهر لا يتزاورون ولا يتواصلون، وبعضهم قريب من بعض إلا القليل منهم.
وقفة إيمانية:
كنت ذات مرة ذاهبًا إلى طلب العلم عند شيخ من مشايخ اليمن، وصادفت طلابا للعلم أتوا من عدن يريدون الذهاب إلى ذلك الشيخ، وكان صاحب السيارة الذي يشتغل بنقل الطلاب من أكبر طلبة العلم في ذلك المركز حتى أنه أحيانًا ينوب الشيخ في حال غيابه، فقام الطلبة فحملوا متاعهم وكتبهم فوق سيارة ذلك الطالب، ثم كلمهم على الأجرة فكان معهم في الأجرة نقص قليل منها فرفض ركوبهم، وأنزلوا متاعهم وكتبهم وذهبوا يبحثون عن سيارة أخرى، فانظر رحمك الله لهذه النوعية! ولو كانت هذه القضية حادثة عين على خلاف المعهود لما ذكرتها، ولكن جانب الأخوَّة عندهم فيه ضعف ملحوظ.