بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وعلى أله وأصحابه وأزواجه والتابعين.
وبعد:
فهذا بحث حديثي في تخريج حديث (كان عليه الصلاة والسلام إذا خرج من الخلاء توضأ) .
فأقول مستعينًا بالله:
روى عبدالرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن جابر، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء توضأ) .
أخرجه: عبدالله في المسند (42/ 326) قال: وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخط يده: حدثنا عبدالرحمن بن مهدي…فذكره.
تابع عبدالرحمن: إبراهيم النخعي، فرواه عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من غائط قط إلا مس ماء) .
أخرجه: ابن ماجه عن هناد بن السري واللفظ له (1/ 232) ، وابن حبان في الصحيح من طريق يحيى بن طلحة اليربوعي (4/ 288) ، كلاهما عن أبي الأحوص، عن منصور، عن إبراهيم به.
وفي لفظ ابن حبان (ولا خرج من الخلاء إلا مس ماء) ، وزاد قبلها (ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صائمًا العشر قط) .
وتابع أبا الأحوص: الثوري، فرواه عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها.
أخرجه: الدراقطني في العلل (14/ 261) فقال: حدثناه الحسين بن إسماعيل المحاملي، قال: حدثنا عبدالله بن أحمد بن موسى الأهوازي، قال: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد، عن سفيان بذلك.
وخالف أبا أحمد الزبيري: وكيع، وأبو نعيم، فروياه عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، أن النبي صلى الله عليه وسلم…مرسلًا.
أخرجه: الدراقطني في العلل (14/ 262) فقال: حدثناه ابن مخلد، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، وقال: وحدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا مسعر، جميعًا عن منصور، عن إبراهيم، قال: حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخرج من غائط قط إلا توضأ أو مس ماء).
وخالف أبا الأحوص: جرير بن عبدالحميد الضبي، والحسن بن صالح، ومسعر بن كدام، وزياد البكائي، عن منصور، عن إبراهيم قال: حدثت (أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير خارجًا من الغائط قط إلا توضأ) .
أخرجه: ابن المبارك في الزهد عن الحسن بن صالح واللفظ له (120) ، وابن أبي شيبة في المصنف عن جرير (2/ 226) ، وإسحاق بن إبراهيم في المسند عنه (3/ 847) ، وابن سعد في الطبقات من طريق الحسن بن صالح (1/ 369) ، والدارقطني في العلل من طريق مسعر وطريق زياد البكائي (14/ 262) , كلهم عن منصور به مرسلًا.
وفي رواية عن ابن المبارك (إلا متوضأ) ، وفي رواية ابن أبي شيبة (بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدخل الخلاء إلا توضأ أو مس ماء) ، وفي لفظ إسحاق (لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم صائمًا في العشر قط، ولا خرج من الخلاء إلا مس ماء) .
الكلام على الروايات:
أولًا: حديث عبدالرحمن بن الأسود في سنده جابر الجعفي، وهو ضعيف قاله الحافظ في التقريب (192) ، وانظر ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري (2/ 210) ، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/ 497) .
ولا تنفعه متابعة أبي الأحوص سلام بن سليم عليه، لكون روايته مخالفه لرواية الجماعة كما سيأتي.
وقد عصب العلامة الألباني رحمه الله في الصحيحة (7/ 1404) الجناية برأس يحيى بن طلحة، وقد توبع عليه، تابعه هناد بن السري كما هو موضح في طرق التخريج.
ثانيًا: المحفوظ عن الثوري هي رواية وكيع وأبي نعيم، وأما رواية أبي أحمد الزبيري فهي خطأ منه، لمخالفته من هو أكثر عددًا وأحفظ.
ثالثًا: الصحيح عن منصور بن المعتمر هي رواية الجماعة، وأما رواية أبي الأحوص فهي خطأ لمخالفتها الجماعة.
قال الدراقطني في العلل (14/ 262، و 263) :"…وخالفه وكيع، وأَبو نعيم، روياه عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، أَنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم .. مرسلًا، ورواه مسعر، والحسن بن صالح، وأَبُو الأَحوص، وزياد البكّائِي، عن منصور، عن إبراهيم، مرسلًا، وهو الصواب".
تنبيهات:
الأول: رواية أبي الأحوص، عن منصور، عن إبراهيم مرسلًا التي ذكرها الدارقطني لم أقف عليها، فإن كانت محفوظة عنه فهذا يدل على أنه كان يضطرب فيه، والله أعلم.
الثاني: قال العلامة الألباني رحمه الله في الصحيحة (7/ 1405) مستدلًا على ضعف يحيى بن طلحة:"وإن من ضعفه خلطه بين حديث الترجمة وحديث (صوم العشر) ، فإن هذا قد أخرجه مسلم وغيره من طرق عن الأعمش، عن إبراهيم به، وخالفه هناد بن السري فقال: ثنا أبو الأحوص، عن منصور به دون الشطر الثاني، أخرجه ابن ماجه".
أقول: الذي أوقع العلامة الألباني في هذا الوهم هو تفريق الحديث وتقطيعه في الأبواب كما فعل ابن ماجه في هذا الحديث، فقد أخرج حديث الترجمة عن هناد بن السري في باب: الاستنجاء بالماء، وحديث صوم العشر عنه أيضًا في باب: صيام العشر (2/ 620) ، والله أعلم.