ج / 3 ص -114- تَنَزُّهًا.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَإِذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ رَأَى عَلَيْهِ نَجَاسَةً يَجُوزُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ، وَيَجُوزُ أَنَّهَا حَدَثَتْ بَعْدَهَا فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ بِلَا خِلَافٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَيُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا احْتِيَاطًا، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ - فَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْهَا قَبْلَ ذَلِكَ - فَقَوْلَانِ"الْجَدِيدُ"الْأَصَحُّ بُطْلَانُ صَلَاتِهِ،"وَالْقَدِيمُ"صِحَّتُهَا وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ ، وَإِنْ كَانَ عَلِمَهَا ثُمَّ نَسِيَهَا فَطَرِيقَانِ مَشْهُورَانِ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ أَصَحُّهُمَا: - وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ - تَجِبُ الْإِعَادَةُ قَوْلًا وَاحِدًا لِتَفْرِيطِهِ ، وَالثَّانِي: فِيهِ قَوْلَانِ كَالْجَاهِلِ ، وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْإِعَادَةَ وَجَبَ إعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ تَيَقَّنَ وُجُودُ النَّجَاسَةِ فِيهَا ، وَلَا يَجِبُ مَا شَكَّ فِيهِ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وَلَوْ رَأَى النَّجَاسَةَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ إذَا رَآهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ أَزَالَهَا وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ وَإِلَّا بَطَلَتْ وَوَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً لَمْ يَعْلَمْ مَتَى أَصَابَتْهُ لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ صَلَاةٍ تَيَقَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ فِيهَا ، وَلَا يَلْزَمُهُ مَا يَشُكُّ فِيهِ كَمَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ فَرَاغِهَا ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعِيدَ كُلَّ صَلَاةٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ فِيهَا ، وَهَذَا كَمَا سَبَقَ فِيمَنْ رَأَى الْمَنِيَّ فِي ثَوْبِهِ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ صَلَّى بِنَجَاسَةٍ نَسِيَهَا أَوْ جَهِلَهَا.
ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ فِي مَذْهَبِنَا وُجُوبُ الْإِعَادَةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ وَأَحْمَدُ وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَطَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله وَمُجَاهِدٍ وَالشُّعَبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ أَقُولُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ رَبِيعَةَ وَمَالِكٍ وَهُوَ قَوِيٌّ فِي الدَّلِيلِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَلَا يُصَلِّي فِي مَقْبَرَةٍ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ"فَإِنْ صَلَّى فِي مَقْبَرَةٍ نَظَرَ فَإِنْ كَانَتْ مَقْبَرَةً ] تَكَرَّرَ فِيهَا النَّبْشُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اخْتَلَطَ بِالْأَرْضِ صَدِيدُ الْمَوْتَى وَإِنْ كَانَتْ جَدِيدَةً لَمْ تُنْبَشْ كُرِهَتْ صَلَاتُهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مَدْفَنُ النَّجَاسَةِ وَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي بَاشَرَ بِالصَّلَاةِ طَاهِرٌ ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ نُبِشَتْ أَمْ لَا؟ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْفَرْضِ فِي ذِمَّتِهِ ، وَهُوَ يَشُكُّ فِي إسْقَاطِهِ ، وَالْفَرْضُ لَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ وَالثَّانِي: تَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَةُ الْأَرْضِ فَلَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا بِالشَّكِّ"."
الشرح: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ: هُوَ حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ، وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، أَسَانِيدُهُ صَحِيحَةٌ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا نَزَلَ بِهِ - أَيْ: حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ - قَالَ:"لَعْنَةُ الله عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ. يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا"وَفِي الصَّحِيحَيْنِ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ، وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ الله رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ يَقُولُ:"إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا"رَوَاهُ