ج / 3 ص -69- وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَلَا يَصِحُّ تَقْدِيمُهَا عَلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَلَا عَلَى إرَادَةِ الدُّخُولِ فِيهَا وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ، وَهُمَا دُخُولُ الْوَقْتِ وَإِرَادَةُ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ. فَإِنْ أَقَامَ قُبَيْلَ الْوَقْتِ بِجُزْءٍ لَطِيفٍ بِحَيْثُ دَخَلَ الْوَقْتُ عَقِبَ الْإِقَامَةِ ثُمَّ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ عَقِبَ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ إقَامَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مَا فَصَلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ لِكَوْنِهَا وَقَعَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَقَدْ نُصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى هَذَا، وَإِنْ أَقَامَ فِي الْوَقْتِ وَأَخَّرَ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ إقَامَتُهُ إنْ طَالَ الْفَصْلُ؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَجُوزُ الْفَصْلُ وَالله أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: السُّنَّةُ أَنْ يُؤَذَّنَ لِلصُّبْحِ مَرَّتَيْنِ، إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالْأُخْرَى عَقِبَ طُلُوعِهِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ"وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَا مُؤَذِّنَانِ، يُؤَذِّنُ وَاحِدٌ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالْآخَرُ بَعْدَهُ، فَإِنْ اُقْتُصِرَ عَلَى أَذَانٍ وَاحِدٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَأَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْكَلِمَاتِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْضُهَا بَعْدَهُ إذَا لَمْ يَطُلْ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ، وَإِذَا اُقْتُصِرَ عَلَى أَذَانٍ وَاحِدٍ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْفَجْرِ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَالله أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَذَانِ لِلصُّبْحِ وَغَيْرِهَا أَمَّا غَيْرُهَا فَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ لَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ. وَأَمَّا الصُّبْحُ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُهُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَهُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُد وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الْفَجْرِ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ طَائِفَةٍ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤَذِّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ إنْ كَانَ يُؤَذِّنُ بَعْدَهُ، وَاحْتَجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُوَافِقِيهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما"أَنَّ بِلَالًا رضي الله عنه أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِي أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ ثَلَاثًا"دَلِيلُنَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّ بِلَالًا"يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ"وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا سَبَقَ، وَفِي الصَّحِيحِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِمَعْنَاهُ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ، فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَضَعَّفُوهُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَالْأَذَانُ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَمُدُّ صَوْتَهُ وَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. لِمَا رَوَى أَبُو مَحْذُورَةَ رضي الله عنه قَالَ:"أَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم التَّأْذِينَ بِنَفْسِهِ فَقَالَ: قُلْ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ"فَذَكَرَ نَحْوَ مَا قُلْنَاهُ وَإِنْ كَانَ أَذَانُ الصُّبْحِ زَادَ فِيهِ [التَّثْوِيبَ] وَهُوَ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْحَيْعَلَةِ:"الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ"وَكُرِهَ ذَلِكَ فِي الْجَدِيدِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: يُسَنُّ ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنَّمَا كُرِهَ [ذَلِكَ] فِي الْجَدِيدِ؛ لِأَنَّ أَبَا مَحْذُورَةٍ لَمْ يَحْكِهِ، وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ:"حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، [وَأَمَّا] الْإِقَامَةُ [فَإِنَّهَا] إحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ"