ج / 3 ص -68- وَالْأَصْحَابُ: لَوْ أَوْقَعَ بَعْضَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ لِغَيْرِ الصُّبْحِ قَبْلَ الْوَقْتِ وَبَعْضَهَا فِي الْوَقْتِ لَمْ يَصِحَّ بَلْ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الْأَذَانِ كُلِّهِ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِهِ الْفُرُوقِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: لَوْ وَقَعَ بَعْضُ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْضُهَا بَعْدَهُ بُنِيَ عَلَى الْوَاقِعِ فِي الْوَقْتِ، قَالَ: وَمُرَادُهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْأَذَانِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَيَأْتِي بَعْدَهُ بِالتَّكْبِيرِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ الشَّهَادَةِ إلَى آخِرِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لَهُ، فَإِنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ، قَالَ: وَلَا يَضُرُّ قَوْلُهُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَلَّلَ بَيْنَهَا كَلَامًا يَسِيرًا لَا يَضُرُّ، فَالذِّكْرُ أَوْلَى.
وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ عَنْ الْأَصْحَابِ نَحْوَ هَذَا، وَيَجُوزُ لِلصُّبْحِ قَبْلَ وَقْتِهَا بِلَا خِلَافٍ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ مِنْ اللَّيْلِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا - وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا - وَبِهِ قَطَعَ مُعْظَمُ الْعِرَاقِيِّينَ يَدْخُلُ وَقْتُ أَدَائِهَا مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي السَّحَرِ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَنْقُولِ عَنْ بِلَالٍ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ
وَالثَّالِثُ: يُؤَذَّنُ فِي الشِّتَاءِ لِسُبْعٍ يَبْقَى مِنْ اللَّيْلِ، وَفِي الصَّيْفِ لِنِصْفِ سُبْعٍ نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ عَلَى خِلَافِ عَادَتِهِ فِي التَّحْقِيقِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ يُؤَذَّنُ بَعْدَ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارِ، وَهُوَ ثُلُثُ اللَّيْلِ فِي قَوْلٍ ، وَنِصْفُهُ فِي قَوْلٍ حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَا الْإِبَانَةِ وَ التَّتِمَّةِ وَ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ.
وَالْخَامِسُ: جَمِيعُ اللَّيْلِ وَقْتٌ لِأَذَانِ الصُّبْحِ، حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَآخَرُونَ وَهُوَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ بَلْ غَلَطٌ.
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَوْلَا عُلُوِّ قَدْرِ الْحَاكِي لَهُ وَهُوَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَأَنَّهُ لَا يَنْقُلُ إلَّا مَا صَحَّ وَتَنَقَّحَ عِنْدَهُ لَمَا اسْتَجَزْتُ نَقْلَ هَذَا الْوَجْهِ. وَكَيْفَ يَحْسُنُ الدُّعَاءُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي وَقْتِ الدُّعَاءِ إلَى الْمَغْرِبِ، وَالسَّرَفُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مُطَّرَحٌ؟ هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَوْلِ لَا يَقُولُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ الَّذِي ظَنَّهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بَلْ إنَّمَا يُجَوِّزُهُ بَعْدَ مُضِيِّ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَقِطْعَةٍ مِنْ اللَّيْلِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي نَقَلَهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ أَنَّهُ يُؤَذَّنُ فِي الشِّتَاءِ لِسُبْعٍ يَبْقَى، وَفِي الصَّيْفِ لِنِصْفِ سُبْعٍ، فَهُوَ أَيْضًا تَقْيِيدٌ بَاطِلٌ، وَكَأَنَّهُمْ بَنَوْهُ عَلَى حَدِيثٍ بَاطِلٍ نَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ سَعْدِ الْقَرَظِ1 الصَّحَابِيِّ قَالَ"كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي الشِّتَاءِ لِسُبْعٍ يَبْقَى مِنْ اللَّيْلِ، وَفِي الصَّيْفِ لِنِصْفِ سُبْعٍ"وَهَذَا الْحَدِيثُ بَاطِلٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَقَدْ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ سَعْدِ الْقَرَظِ قَالَ"أَذَّنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِقُبَاءَ، وَفِي زَمَنِ عُمَرَ رضي الله عنه بِالْمَدِينَةِ فَكَانَ أَذَانُنَا فِي الصُّبْحِ فِي الشِّتَاءِ لِسُبْعٍ وَنِصْفٍ يَبْقَى مِنْ اللَّيْلِ، وَفِي الصَّيْفِ لِسُبْعٍ يَبْقَى مِنْهُ"وَهَذَا الْمَنْقُولُ مَعَ ضَعْفِهِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ صَاحِبِ هَذَا الْوَجْهِ فَالصَّحِيحُ اعْتِبَارُ نِصْفِ اللَّيْلِ كَمَا سَبَقَ وَالله أَعْلَمُ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بالإضافة إلى القرظ لأنه كان يبيعه (ط) .