ج / 3 ص -67- التَّرْتِيبُ شَرْطٌ أَمْ لَا، لِأَنَّا إنْ شَرَطْنَاهُ صَارَتْ الثَّانِيَةُ فَائِتَةً وَالْفَائِتَةُ الْمَفْعُولَةُ بَعْدَ فَرْضِ الْوَقْتِ لَا يُؤَذَّنُ لَهَا، وَإِنْ لَمْ نَشْرِطْهُ فَالثَّانِيَةُ مِنْ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ لَا يُؤَذَّنُ لَهَا.
وَقَالَ صَاحِبُ الْإِبَانَةِ: إذَا شَرَطْنَا التَّرْتِيبَ فَبَدَأَ بِالْعَصْرِ فَهِيَ كَالْمَقْضِيَّةِ، فَفِي الْأَذَانِ لَهَا الْخِلَافُ.
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْأَصْحَابُ: هَذَا غَلَطٌ صَرِيحٌ لَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعَصْرِ مُؤَدَّاةٌ فِي وَقْتِهَا قَطْعًا، وَإِنَّمَا يَتَطَرَّقُ الْخَلَلُ بِتَرْكِ التَّرْتِيبِ إلَى الظُّهْرِ فَقَطْ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: إنْ بَدَأَ الْعَصْرَ أَذَّنَ لَهَا وَهَلْ يُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قَالَ الشَّاشِيُّ هَذَا صَحِيحٌ فِي الْعَصْرِ وَغَيْرُ صَحِيحٍ فِي الظُّهْرِ بَعْدَهَا، فَإِنْ قِيلَ إذَا جَمَعَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ وَبَدَأَ بِالظُّهْرِ لِمَ لَا يُؤَذِّنُ لِلْعَصْرِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَهَا؟ فَالْجَوَابُ مَا أَجَابَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ أَنَّ الْعَصْرَ فِي حُكْمِ التَّابِعَةِ لِلظُّهْرِ هُنَا، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ وَجْهًا عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَطَّانِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ سَوَاءٌ قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ وَهَذَا الْوَجْهُ حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ وَهُوَ غَلَطٌ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَلِمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالله أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: لَا يَجُوزُ الْأَذَانُ لِغَيْرِ الصُّبْحِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ فَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ. وَأَمَّا الصُّبْحُ فَيَجُوزُ أَنْ يُؤَذَّنَ لَهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ"وَلِأَنَّ الصُّبْحَ يَدْخُلُ وَقْتُهَا وَالنَّاسُ نِيَامٌ وَفِيهِمْ الْجُنُبُ وَالْمُحْدِثُ، فَاحْتِيجَ إلَى تَقْدِيمِ الْأَذَانِ لِيُتَأَهَّبَ لِلصَّلَاةِ [وَيُخَالِفُ] سَائِرَ الصَّلَوَاتِ [فَإِنَّهُ] يَدْخُلُ وَقْتُهَا وَالنَّاسُ مُسْتَيْقِظُونَ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى تَقْدِيمِ الْأَذَانِ، وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْوَقْتِ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِاسْتِفْتَاحِ الصَّلَاةِ فَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الْوَقْتِ.
الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ"إنَّ ابْنَ مَكْتُومٍ يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ بِلَالٌ"قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: إنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَبِلَالٍ نَوْبٌ، فَكَانَ بِلَالٌ فِي نَوْبَةٍ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فِي نَوْبَةٍ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ قَالَ: وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى تَقْدِيمَ أَذَانِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَدْ صَحَّ خَبَرُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَسَمُرَةَ وَعَائِشَةَ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ وَالله أَعْلَم.
وَاسْمُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ1 عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، وَقِيلَ عَبْدُ الله بْنُ زَائِدَةَ الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ وَهُوَ ابْنُ خَالِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها اسْتَخْلَفَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً فِي غَزَوَاتِهِ، وَشَهِدَ فَتْحَ الْقَادِسِيَّةِ وَاسْتُشْهِدَ بِهَا فِي خِلَافَةِ عُمَرَ رضي الله عنه، وَاسْمُ أُمِّ مَكْتُومٍ: عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الله
أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ: فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الصُّبْحِ قَبْلَ وَقْتِهَا بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ومكتوم هو نفسه عمرو لأنه أعمى لا يبصر وأمه مكناة به فهو ابن أم نفسه (ط) .