ج / 3 ص -53- الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ الله مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم وَالله مَا صَلَّيْتُهَا، فَقُمْنَا إلَى بَطْحَانَ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَقَوْلُهُ: الْبِدَايَةُ لَحْنٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَالصَّوَابُ الْبُدَاءَةُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَالْمَدِّ، وَالْبَدْأَةُ بِفَتْحِهَا وَإِسْكَانِ الدَّالِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ، وَالْبُدُوءَةُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَالدَّالِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَمْدُودَةٌ ثَلَاثُ لُغَاتٍ حَكَاهُنَّ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ."
أَمَّا حُكْمُ الْفَصْلِ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا: مَنْ لَزِمَهُ صَلَاةٌ فَفَاتَتْهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا سَوَاءٌ فَاتَتْ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ فَوَاتُهَا بِعُذْرٍ كَانَ قَضَاؤُهَا عَلَى التَّرَاخِي وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْضِيَهَا عَلَى الْفَوْرِ قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ: وَقِيلَ: يَجِبُ قَضَاؤُهَا حِينَ ذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَاَلَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَإِنْ فَوَّتَهَا بِلَا عُذْرٍ فَوَجْهَانِ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَصَحُّهُمَا: عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ، وَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ كَمَا لَوْ فَاتَتْ بِعُذْرٍ وَأَصَحُّهُمَا: عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ. وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِتَرْكِهَا، وَلِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ الَّتِي فَاتَتْ، وَلَوْ كَانَ الْقَضَاءُ عَلَى التَّرَاخِي لَمْ يُقْتَلْ.
فرع: الصَّوْمُ الْفَائِتُ مِنْ رَمَضَانَ كَالصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا فِي فَوَاتِهِ كَالْفَائِتِ بِالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْمَرَضِ وَالْإِغْمَاءِ وَالسَّفَرِ فَقَضَاؤُهُ عَلَى التَّرَاخِي مَا لَمْ يَحْضُرْ رَمَضَانُ السَّنَةِ الْقَابِلَةِ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي فَوَاتِهِ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ كَالصَّلَاةِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ قَضَاؤُهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَبَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَهُوَ الصَّوَابُ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَأَمَّا قَضَاءُ الْحَجِّ الْفَاسِدِ فَهَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ أَمْ التَّرَاخِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ، ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ فِي مَوْضِعِهِمَا أَصَحُّهُمَا عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْإِفْسَادِ. وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ عُدْوَانٍ كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ خَطَأً وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَهِيَ عَلَى التَّرَاخِي بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ. وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا فَهَلْ هِيَ عَلَى الْفَوْرِ أَمْ عَلَى التَّرَاخِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَفَّالُ وَالْأَصْحَابُ أَصَحُّهُمَا: عَلَى الْفَوْرِ. قَالَ الْقَفَّالُ هُمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِي قَضَاءِ الْحَجِّ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ كَالْحَجِّ الثَّانِيَةُ: إذَا فَاتَهُ صَلَاةٌ أَوْ صَلَوَاتٌ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُقَدِّمَ الْفَائِتَةَ عَلَى فَرِيضَةِ الْوَقْتِ الْمُؤَدَّاةِ وَأَنْ يُرَتِّبَ الْفَوَائِتَ فَيَقْضِيَ الْأُولَى ثُمَّ الثَّانِيَةَ ثُمَّ الثَّالِثَةَ، وَهَكَذَا لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ.
وَإِنْ تَرَكَ التَّرْتِيبَ أَوْ قَدَّمَ الْمُؤَدَّاةَ عَلَى الْمَقْضِيَّةِ أَوْ قَدَّمَ الْمُتَأَخِّرَةَ عَلَى الْفَوَائِتِ جَازَ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَإِنْ ذَكَرَ الْفَائِتَةَ وَقَدْ ضَاقَ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ لَزِمَهُ تَقْدِيمُ الْحَاضِرَةِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَلَوْ شَرَعَ فِي الْحَاضِرَةِ ثُمَّ ذَكَرَ الْفَائِتَةَ وَهُوَ فِيهَا أَتَمَّ الْحَاضِرَةَ سَوَاءٌ اتَّسَعَ الْوَقْتُ أَمْ ضَاقَ، لِأَنَّ الْحَاضِرَةَ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهَا وَإِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ، لَكِنْ يُتِمُّهَا ثُمَّ يَقْضِي الْفَائِتَةَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعِيدَ الْحَاضِرَةَ، هَكَذَا صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَالرَّافِعِيُّ وَلَوْ دَخَلَ فِي الْفَائِتَةِ مُعْتَقِدًا أَنَّ فِي الْوَقْتِ سَعَةً فَبَانَ ضِيقُهُ وَجَبَ قَطْعُهَا وَالشُّرُوعُ فِي الْحَاضِرَةِ عَلَى