ج / 3 ص -5- بسم الله الرحمن الرحيم
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"الصَّلَاةُ1 الْمَكْتُوبَةُ خَمْسٌ لِمَا رَوَى طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ الله رضي الله عنه قَالَ:"جَاءَ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَيْك فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"."
الشرح: الصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ، وَسُمِّيَتْ الصَّلَاةُ الشَّرْعِيَّةُ صَلَاةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ التَّحْقِيقِ، وَقِيلَ فِي اشْتِقَاقِهَا وَمَعْنَاهُ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ أَكْثَرُهَا فَاسِدَةٌ لَا سِيَّمَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ صَلَيْتُ الْعُودَ عَلَى النَّارِ إذَا قَوَّمْتُهُ، وَالصَّلَاةُ تُقِيمُ الْعَبْدَ عَلَى الطَّاعَةِ ، وَبُطْلَانُ هَذَا الْخَطَأِ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ نَذْكُرَهُ لِأَنَّ لَامَ الْكَلِمَةِ فِي الصَّلَاةِ وَاوٌ، وَفِي صَلَيْتُ يَاءٌ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الِاشْتِقَاقُ مَعَ اخْتِلَافِ الْحُرُوفِ الْأَصْلِيَّةِ ؟. وَأَمَّا حَدِيثُ طَلْحَةَ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ طَوِيلٍ مَشْهُورٍ. وَقَوْلُهُ:"ثَائِرُ"أَيْ مُنْتَفِشٌ شَعْرُهُ وَهُوَ بِرَفْعِ الرَّاءِ، وَقَوْلُهُ:"نَسْمَعُ وَلَا نَفْقَهُ"فَهُوَ بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ فِيهِمَا ، وَرُوِيَ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ مَضْمُومَةً، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ لَكِنَّ النُّونَ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ.
وَقَوْلُهُ"دَوِيَّ"هُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَحَكَى صَاحِبُ الْمَطَالِعِ ضَمَّهَا وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ ، وَمَعْنَاهُ بُعْدُهُ فِي الْهَوَاءِ وَعُلُوُّهُ ، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"هُوَ بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَالْوَاوِ ، عَلَى إدْغَامِ إحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الطَّاءِ. وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الطَّاءِ عَلَى الْحَذْفِ.
وَأَمَّا طَلْحَةُ الرَّاوِي ، فَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ ، رضي الله عنهم، وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ الله بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ لُؤَيٍّ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ ، يَلْتَقِي مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ ، سَمَّاهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم طَلْحَةَ الْخَيْرِ ، وَطَلْحَةَ الْجُودِ ، قُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَدُفِنَ بِالْبَصْرَةِ ، وَحَدِيثُهُ هَذَا مُشْتَمِلٌ عَلَى فَوَائِدَ كَثِيرَةٍ جَمَعْتُهَا وَاضِحَةً فِي أَوَّلِ شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، وَمُخْتَصَرُهَا أَنَّ فِيهِ بِطُولِهِ وُجُوبَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَوُجُوبَ الصِّيَامِ وَوُجُوبَ الزَّكَاةِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا الْخَمْسُ وَلَا مِنْ الصِّيَامِ غَيْرُ رَمَضَانَ وَأَنَّ مَنْ حَافَظَ عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَلَمْ يَفْعَلْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في نسخة الركبي"الصلوات المكتوبات خمس" (ط) .