ج / 1 ص -195- الشَّكِّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ. السَّابِعَةُ: اسْتِحْبَابُ اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْكِنَايَاتِ فِيمَا يُتَحَاشَى مِنْ التَّصْرِيحِ بِهِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ"وَلَمْ يَقُلْ فَلَعَلَّ يَدَهُ وَقَعَتْ عَلَى دُبُرِهِ أَوْ ذَكَرِهِ، وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُم} [التقرة:187] وقوله تعالى: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ} [النساء:21] وَقَوْلِهِ {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} [ التقرة:237] وَهَذَا كُلُّهُ إذَا عُلِمَ أَنَّ السَّامِعَ يَفْهَمُ الْمَقْصُودَ فَهْمًا جَلِيًّا، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ نَفْيًا لِلَّبْسِ وَالْوُقُوعِ فِي خِلَافِ الْمَطْلُوبِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ المصنف رحمه الله تعالى:"ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ، وَالْمَضْمَضَةُ أَنْ يَجْعَلَ الْمَاءَ فِي فِيهِ وَيُدِيرَهُ فِيهِ ثُمَّ يَمُجَّهُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ أَنْ يَجْعَلَ الْمَاءَ فِي أَنْفِهِ وَيَمُدَّهُ بِنَفَسِهِ إلَى خَيَاشِيمِهِ ثُمَّ يَسْتَنْثِرَ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَقْرَبُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ وَيَسْتَنْثِرُ إلَّا خَرَّتْ خَطَايَا فِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ مَعَ الْمَاءِ"وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُبَالِغَ فِيهِمَا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ:"أَسْبِغْ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَبَالِغِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا"وَلَا يَسْتَقْصِي فِي الْمُبَالَغَةِ فَيَصِيرُ سُعُوطًا فَإِنْ كَانَ صَائِمًا لَمْ يُبَالِغْ لِلْخَبَرِ، وَهَلْ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا أَوْ يَفصل: ؟ قَالَ فِي الْأُمِّ: يَجْمَعُ"لِأَنَّ عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَتَمَضْمَضَ مَعَ الِاسْتِنْشَاقِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ". وَقَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ: يَفصل: بَيْنَهُمَا لِمَا رَوَى طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ:"رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَفصل: بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ"وَلِأَنَّ الْفصل: أَبْلَغُ فِي النَّظَافَةِ فَكَانَ أَوْلَى، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ وَالْفصل: فَقَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْأُمِّ: يَغْرِفُ غَرْفَةً وَاحِدَةً يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثَلَاثًا وَيَسْتَنْشِقُ مِنْهَا ثَلَاثًا وَيَبْدَأُ بِالْمَضْمَضَةِ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْبُوَيْطِيِّ يَغْرِفُ غَرْفَةً يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثَلَاثًا ثُمَّ يَغْرِفُ غَرْفَةً أُخْرَى يَسْتَنْشِقُ مِنْهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْأُمِّ: يَغْرِفُ غَرْفَةً يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا وَيَسْتَنْشِقُ ثُمَّ يَغْرِفُ غَرْفَةً أُخْرَى يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا وَيَسْتَنْشِقُ ثُمَّ يَغْرِفُ ثَالِثَةً يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا وَيَسْتَنْشِقُ فَيَجْمَعُ فِي كُلِّ غَرْفَةٍ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ. وَعَلَى رِوَايَةِ الْبُوَيْطِيِّ يَأْخُذُ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ لِلْمَضْمَضَةِ وَثَلَاثَ غَرَفَاتٍ لِلِاسْتِنْشَاقِ. وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله، لِأَنَّهُ قَالَ يَغْرِفُ غَرْفَةً لِفِيهِ وَأَنْفِهِ، وَالثَّانِي أَصَحُّ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ، فَإِنَّ تَرَكَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ جَازَ"لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِلْأَعْرَابِيِّ: تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَك اللَّهُ"وَلَيْسَ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ بَاطِنٌ دُونَهُ حَائِلٌ مُعْتَادٌ فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ كَالْعَيْنِ ."
الشرح:هَذَا الْفصل: فِيهِ جُمَلٌ وَبَيَانُهَا بِمَسَائِلَ: إحداها: فِي الْأَحَادِيثِ، أَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ قُبَيْلَ صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَلَفْظُهُ فِي مُسْلِمٍ:"مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يَقْرَبُ وُضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ"، وَأَمَّا حَدِيثُ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ مِنْ رِوَايَةِ لَقِيطٍ، وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي"المهذب"لَفْظُ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ طَوِيلٍ، وَآخِرُ الْحَدِيثِ فِي"المهذب"عِنْدَ قَوْلِهِ:"إلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا". وَأَمَّا قَوْلُهُ:"وَلَا يَسْتَقْصِي فِي الْمُبَالَغَةِ"إلَى آخِرِهِ فَلَيْسَ مِنْ الْحَدِيثِ بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ بِالْوَاوِ لَا بِالْفَاءِ، وَقَوْلُهُ:"يَسْتَقْصِي"بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ فِي أَوَّلِهِ لَا بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ، وَإِنَّمَا ضَبَطْته لِأَنَّ