ج / 1 ص -193- وَسِتِّينَ سَنَةً، وَقِيلَ أَرْبَعٌ وَقِيلَ خَمْسٌ، وَلِيَ الْخِلَافَةَ خَمْسَ سِنِينَ إلَّا يَسِيرًا. رضي الله عنهما وَمَنَاقِبُهُمَا كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ .
قَالَ المصنف رحمه الله تعالى:"ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ لَمْ يَقُمْ مِنْ النَّوْمِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ غَمَسَ يَدَهُ ثُمَّ غَسَلَ وَإِنْ شَاءَ أَفْرَغَ الْمَاءَ عَلَى يَدِهِ ثُمَّ غَسَلَ، فَإِنْ قَامَ مِنْ النَّوْمِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَغْمِسَ يَدَهُ حَتَّى يَغْسِلَهَا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ"فَإِنْ خَالَفَ وَغَمَسَ لَمْ يَفْسُدْ الْمَاءُ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ فَلَا يُزَالُ الْيَقِينُ بِالشَّك".
الشرح:الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ إلَّا قَوْلَهُ:"ثَلَاثًا"فَإِنَّهُ فِي مُسْلِمٍ دُونَ الْبُخَارِيِّ وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ"سَبَبُهُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله وَغَيْرُهُ أَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ كَانُوا يَقْتَصِرُونَ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ، وَبِلَادُهُمْ حَارَّةٌ، فَإِذَا نَامَ أَحَدُهُمْ عَرِقَ فَلَا يَأْمَنُ النَّائِمُ أَنْ تَطُوفَ يَدُهُ عَلَى الْمَحَلِّ النَّجِسِ أَوْ عَلَى بَثْرَةٍ أَوْ قَمْلَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَتَتَنَجَّسُ.
أَمَّا حُكْمُ الْمسألة: فَقَالَ أَصْحَابُنَا إذَا كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْ قَدَحٍ وَشِبْهِهِ مِمَّا يُغْمَسُ الْيَدُ فِيهِ وَلَيْسَ فِيهِ قُلَّتَانِ نُظِرَ فَإِنْ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ يَدِهِ كُرِهَ أَنْ يَغْمِسَهَا فِيهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا لِلْحَدِيثِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّكُّ فِي نَجَاسَتِهَا لِلْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ أَوْ لِغَيْرِهِ، هَكَذَا عِبَارَةُ أَصْحَابِنَا، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّكِّ. قَالُوا: وَإِنَّمَا ذَكَرَ النَّوْمَ فِي الْحَدِيثِ مِثَالًا وَنَبَّهَ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمَقْصُودِ بِذِكْرِ الْعِلَّةِ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ"، وَأَمَّا تَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ الْمسألة:بِمَا إذَا قَامَ مِنْ النَّوْمِ فَخِلَافُ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
وَإِنْ تَيَقَّنَ طَهَارَةَ يَدِهِ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ غَسَلَ ثُمَّ غَمَسَ وَإِنْ شَاءَ غَمَسَ ثُمَّ غَسَلَ؛ لِأَنَّ كَرَاهَةَ الْغَمْسِ عِنْدَ الشَّكِّ إنَّمَا كَانَتْ لِلْخَوْفِ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَقَدْ تَحَقَّقْنَا عَدَمَ النَّجَاسَةِ، وَبِهَذَا الْوَجْهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كُتُبِهِ الثَّلَاثَةِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ. والثاني: اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ الْغَسْلِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ النَّجَاسَةِ قَدْ تَخْفَى فِي حَقِّ مُعْظَمِ النَّاسِ فَيَتَوَهَّمُ الطَّهَارَةَ فِي مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ وَرُبَّمَا نَسِيَ النَّجَاسَةَ، فَضُبِطَ الْبَابُ لِئَلَّا يَتَسَاهَلَ الشَّاكُّ، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمَاوَرْدِيُّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَلَّطَا مَنْ قَالَ خِلَافَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: أُنْكِرَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْفصل: شَيْئَانِ: أحدهما: تَخْصِيصُ اسْتِحْبَابِ الْغَسْلِ قَبْلَ الْغَمْسِ بِمَا إذَا قَامَ مِنْ نَوْمٍ وَالصَّوَابُ ضَبْطُهُ بِالشَّكِّ فِي نَجَاسَةِ الْيَدِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ. والثاني: قَوْلُهُ: اُسْتُحِبَّ أَنْ لَا يَغْمِسَ حَتَّى يَغْسِلَ. لَا يَلْزَمُ مِنْهُ كَرَاهَةُ الْغَمْسِ أَوَّلًا، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يُكْرَهُ الْغَمْسُ قَبْلَ الْغَسْلِ لِلنَّهْيِ الصَّرِيحِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَكَذَا صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ الْمُصَنِّفُ فِي"التنبيه"وَآخَرُونَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي الْبُوَيْطِيِّ فَقَالَ: فَإِنْ غَمَسَ يَدَهُ قَبْلَ الْغَسْلِ أَوْ بَعْدَ الْغَسْلِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَقَدْ أَسَاءَ هَذَا نَصَّهُ وَهَذِهِ أَوَّلُ مسألة:فِي الْبُوَيْطِيِّ، وَفِي هَذَا النَّصِّ تَصْرِيحٌ بِالْكَرَاهَةِ حَتَّى يَغْسِلَ ثَلَاثًا وَإِنَّ الْغَسْلَتَيْنِ لَا تَنْفِي الْكَرَاهَةَ لَكِنْ تُخَفِّفُهَا، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .