فكففتُ، فبعثَ بِها إلى بَيْتِي، وَخَرَجْتُ فَدَخَلتُ الحمَّامَ، فَأطَلْتُ، ثُمَّ صَبَبَتُ عَلَيَّ دَهْنَ الخَلُوقيَّة، ثُمَّ سَكَبْتُ عَليَّ مَاءً، وَخَرَجْتُ وَعَليَّ صُفْرةُ الدُّهنِ لمْ أسَتفقْ مِنهُ، فَقَدْ صَارَ لَوْنِي أَصْفَرَ كَأنَّه الزَّعْفَرانَ، فَلَبِسْتُ أطَمَارًَا لِي، وعصبتُ رَأسِي، وَأَخَذْتُ مَعِي عَصًَا، ثُم خَرجتُ أمْشِي عَلَيها حَتَّى جِئتُ بَابَ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرو بنِ عثمانَ، فلمَّا رَآني حَاجِبُه قَالَ: وَيحكَ يَا أشعبُ ظَلمنَاكَ وَغَضِبَنا عَليكَ، وَ أنتَ قَدْ بَلَغْتَ مَا أَرَى مِنْ العِلَّةِ، مَا أَصَابَكَ؟ قَالَ: قلتُ أدخِلنِي عَلَى سَيِّدِي، فَأَخبَرَهُ فَأَدخَلَنِي عَلَيهِ، فَإِذَا عِندَهُ سَالِمُ بن عَبدِ اللهِ، قَالَ لِي عَبدُ اللهِ بن عَمرو: وَيحكَ يَا أشعبُ ظَلمنَاكَ وَغَضِبَنا عَليكَ، وَقَدْ بَلَغْتَ مَا أَرَى مِنْ العِلَّةِ، مَا أمرُكَ؟ قَالَ: فتضَاعَفْتُ فقلتُ: أيْ سَيِّدِي! كُنتُ عِندَ بَعضِ مَن أغشَاهُ فَأصَابَنِي قَيءٌ وَبَطنٌ، فمَا حُمِلْتُ إلَى مَنْزِلِي إِلَّا جَنَازَةً، فَبَلَغَتْنِي عِلَّتُكَ، فخرَجَتُ أَدُبُّ إِلَيْكَ، قَالَ: فَنَظَرَ إليَّ سَالمٌ ثم قَالَ لِي: أشعبُ؟ قَالَ: قلتُ: أشعبُ. قَالَ: ألمْ تَكُنْ عِندِي آنِفًَا؟ قَالَ: قلتُ: وَمِن أَينَ أَكُونُ عِندَكَ ـ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ ـ وَأنَا أَمُوتُ؟ فجعلَ يَمسَحُ عَيْنَيَهِ ويقولُ: أَلمْ تَأكلْ الهَرِيسَ آنِفًَا عِندِي؟ قَالَ: فأقولُ: وَهَلْ بِي مِن أَكلٍ ـ جعلني اللهُ فداك ـ مَع العِلَّةِ؟ فَقَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوةَ إلَّا بِاللهِ، وَاللهِ إني لَأَرَى الشَّيطَانَ يتمثَّلُ عَلَى صُورتِكَ وَما أرَى مُجالسَتَكَ تَحِلُ، وَوَثَبَ.
قَالَ: وَفَطَنَ بِي عَبدُ اللهِ بن عَمرو فَقَالَ: أَشْعَبُ! تَخْدَعُ خَالِي! أَصْدِقْنِي خَبَرَكَ. قَالَ: قُلتُ: بِالأمَانِ؟ قَالَ: بِالأمَانِ. فحدَّثْتُهُ حَدِيْثِي فَضَحِكَ ضَحِكًَا شَدِيدًَا. [1]
(1) فلان يُسْتَخَفُّ ويُسْتَحْلَى أي خفيف الظل حلو المعشر. تلهيه وتعلله: تُسَلِّيهِ وَقْتَ مَرَضِهِ وَتُشْغِلَهُ عَن الوَجَعِ مُواساةً. خرباتي: الخربة هي البلية. عبد الله الأكبر بن عمرو بن عثمان بن عفان أمه حفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب، نسب قريش 113. الخبر في الأغاني 19/ 173.