وقال شيخ المالكية في قرطبة الإمام الطرطوشي لما سئل عن قوم في مكان يقرؤون شيئًا من القرآن ، ثم ينشدون شيئًا من الشعر ، فيرقصون ويطربون ويضربون بالدُّفِّ والشبابة ، هل الحضور معهم حلال أم حرام ؟
فأجاب: مذهب الصوفية هذا بطالة وضلالة ، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وأما الرقص والتواجد فأوّل من أحدثه أصحاب السامريِّ لما اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار ، فأتوا يرقصون حوله ويتواجدون ، وهو - أي الرقص - دين الكفار وعبَّاد العجل ، وإنما كان مجلس النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار ، فينبغي للسلطان ونوَّابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها ، ولا يحلُّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ، ولا يُعينهم على باطلهم ، هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم من أئمة المسلمين" (1) ."
وقال الإمام القرطبي الفقيه المالكي:"وأما ما ابتدعه الصوفيَّة في ذلك فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه ، لكنَّ النفوس الشهوانيَّة غلبت على كثير ممن يُنسب إلى الخير ، حتَّى لقد ظهرت في كثير منهم فعلات المجانين والصبيان ، حتى رقصوا بحركات متطابقة ، وتقطيعات متلاحقة ، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القُرَب وصالح الأعمال ، وأنَّ ذلك يثمر سَنيَّ الأحوال ، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة ، وقول أهل المخرقة . والله المستعان" (2) .
وقال القاضي عياض في"ترتيب المدارك" (1 / 93 - 94) :"قال التنيسي: كنا عند مالك وأصحابه حوله ، فقال رجل من أهل نصيبين: يا أبا عبدالله ، عندنا قوم يقال لهم الصوفية ، يأكلون كثيرًا ، ثم يأخذون في القصائد ثم يقومون فيرقصون ، فقال مالك: أصبيانٌ هم ؟ قال: لا ، قال: أمجانين هم ؟ قال: لا ،"
(1) "المعيار المعرب" (11 / 162 - 163) .
(2) ذكره الألوسي في"روح المعاني" (11 / 70) .