قال عياض (1) :"معناه نوح المتصوفة وإنشادهم على طريق النوح والبكاء" (2) .
فمن اعتقد في ذلك أنه قربةٌ لله - تعالى - فهو ضالٌّ مضلٌّ (3) ، ولا يعلم المسكين أنَّ الجنَّة حفَّت بالمكاره ، وأنَّ النَّار حفَّت بالشهوات ، والله - تعالى - لم يبعث أحدًا من الأنبياء باللهو والراحة والغناء ، وإنما بعثوا بالبرِّ والتَّقوى وما يخالف الهوى ، قال - تعالى -:"وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) " [النازعات: 40 - 41] .
فالباطل خفيف على النفس ؛ ولذلك خفَّ في الميزان ، والحقُّ ثقيلٌ ، ولذلك ثقل في الميزان ، قال - تعالى -:"إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) " [المزمل: 5] .
(1) هو الإمام القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي الأندلسي السُّبتي المالكي ، المتوفى سنة 544 هـ في مراكش ، صاحب كتاب"ترتيب المدارك وتقريب المسالك"، وكتاب"الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع".
ترجمته في:"سير أعلام النبلاء" (20 / 212) ، و"وفيات الأعيان" (3 / 483) .
(2) ذكره محمد بن يوسف بن أبي القاسم في"التاج والإكليل لمختصر خليل" (5 / 418) ، ومحمد بن عبدالرحمن المغربي في"مواهب الجليل" (5 / 418) .
(3) وقال الإمام الشاطبي في"الاعتصام" (2 / 102) :"ولا كان المتقدِّمون أيضًا يعدُّون الغناء جزءًا من أجزاء طريقة التعبُّد وطلب رقَّة النفوس وخشوع القلب ، حتَّى يقصدوه قصدًا ، ويتعمَّدوا الليالي الفاضلة فيجتمعوا لأجل الذِّكر الجهري ، ثم الغناء والشَّطح والرَّقص والتَّغاشي والصِّياح ، وضرب الأقدام على وزن إيقاع الأكف أو الآلات وموافقة النَّغمات ."
هل في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عمله المنقول في الصحاح أو عمل السَّلف الصالح أو أحد من العلماء من ذلك أثر ؟"."
ونقل الإمام الشاطبي في"الاعتصام" (2 / 115) كلام الإمام الآجري فيمن يفعل فعل هؤلاء الفقراء ، فقال:"وهذا كلُّه من الشيطان يلعبُ بهم ، وهذا كلُّه بدعةٌ وضلالة ، يقال لمن فعل هذا: اعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصدق الناس موعظةً ، وأنصح الناس لأمَّته ، وأرق الناس قلبًا ، وخير الناس مَن جاء بعده لا يشك في ذلك عاقل ، ما صرخوا عند موعظته ولا زعقوا ولا رقصوا ولا زفنوا ، ولو كان هذا صحيحًا لكانوا أحقَّ الناس بهذا أن يفعلوه بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكنه بدعة وباطل ومنكر ، فاعلم ذلك".