كيف وقد جعل الله شهادته وشهادة ملائكته كشهادة أولي العلم ، قال الله - تعالى -:"شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ"الآية [آل عمران: 18] .
ولست أعني بالعلماء المشتغلين في زماننا هذا بعلوم الجدال والممارات ، ولا المعتنين بدرس مسائل الأقضية والشهادات ، فيتقربون بذلك إلى جمع الحطام ، والتقرب من الولات والحكَّام ، ونَيْل الرئاسة عند العوام ، وإنما نعني بالعلماء الذين يعملون بعلمهم وقال فيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:"يحملُ هذا الدين من كلِّ خلفٍ عدولُهُ ، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين" (1) .
وقال فيهم:"علماء كادوا يكونون من رتبهم أنبياء" (2) .
فأولئك ورثةُ النبيين وأئمةُ المتَّقين الذين يحب أن يُقتدى بهم ويتأدَّب بآدابهم ، وتقتفى آثارهم وتحفظ أخبارهم ، ولكنهم ضمهم لحودهم ، وقلَّ على بسيط الأرض جودهم ، فما يورد من آثارهم أثر ، فهم الكبريت الأحمر ، وإن كان عجز عن بلوغ رتبتهم وقصر ، لكنه يعرف الحقَّ فلا يغلظ في نفسه ولا يغتر .
فهذه النصيحة لمن وقف عليها من الإخوان الصادقين المريدين ، والعامة المسلمين المصححين ؛ ليميزوا بها بين المُحقِّين والمبطلين من المنتمين إلى الدين ، ولا يغترُّوا بالملبس من أجل حسن الظن ومحبتهم للصالحين ، ويدخل عليه الخللُ في عقائدهم ، ويميلون بها إلى عوائدهم .
(1) أخرجه ابن وضاح في"كتاب البدع" (رقم 1) ، وابن بطة في"الإبانة" (33) ، وابن عبدالبر في"التمهيد" (1 / 58) وغيرهم من طريق مُعان بن رفاعة السَّلامي عن إبراهيم بن عبدالرحمن العذري يرفعه ، ومدار الحديث على معان بن رفاعة ، وهو لين الحديث كثير الإرسال كما في"التقريب"للحافظ ابن حجر . وروي الحديث عن غير العذري بطرق كلها ضعيفة ، وانظر تخريجها والكلام عليها: تحقيق الشيخ بدر البدر على كتاب البدع لابن وضاح ص 27 - 32 .
(2) لم أجده بهذا اللفظ ، وإنما وجدت حديث:"أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم"، قال الحافظ العراقي في"المغني عن حمل الأسفار" (1 / 12) :"أبو نعيم - يعني أخرجه - في"فضل العلم العفيف"من حديث ابن عباس بإسنادٍ ضعيف"، وانظر"الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" (ص 286) للشوكاني .