فإن أنكروا مما ألزمناهم ف الطبائع شيئا، كان أقرب الطريق أن يسئلوا عن حدث الجواهر والدليل عليه. فكل ما يبدونه في حدث الجواهر من تعاقب الحوادث، فيلزمهم في الطبائع. فإن أنكروا حدث الجواهر، فقد خرجوا عن قول الطبائعيين، والتحقوا بمذهب سائر الدهرية.
ومما نستدل به عليهم أن نقول: إذا أثبتم الطبائع فلا تخلون: إما أن تثبتوا لها محال، أو لا تثبتوها. فإن اثبتوا لها، محال، زادوا على الاستقصات الأربع، وإن لم يثبتوا لها محال-وهي ليست بمتحيزة-فقد ثبتت كلها لا في محال. وإذا ثبت شيئان لا في محل، فلا معنى لا متزاجهما، فإنه إنما يمتزج كل شيئين متباينين يختص كل واحد منهما بجهة إن كان متحيزًا، أو محل إن كان ذا محل، فإذا لم يسبق الامتزاج اختصاص بحيزين ولا محلين فلا محصول للامتزاج، وهذا واضح لمن تدبره.
ومن أحسن ما نعتصم به أن نقول: إذا امتزجت الطبائع، فلا تخلو إما أن تثبت عند امتزاجها بلا محل أو تثبت مع المحل، فإن ثبتت عند امتزاجها بلا محل، ثم ثبت المحل بعد الامتزاج بوقت واحد، فهذا باطل. فإنه لو جاز ثبوت الطبائع ممتزجة في غير محل في حالة واحدة، لجاز تقدير ذلك في حالتين.
وإن زموا أن المحل الذي تختص الطبائع به يقارن الامتزاج، فقد امتزجت الطبائع إذًا في المحل، فإذا امتزجت في المحل كيف تفتضيه؟ وهلاكان المحل باقتضاء الامتزاج أولى من الامتزاج باقتضاء المحل؟ فإنهما مقترنان، ليس أحدهما أولى بالاقتضاء من الثاني.
ثم نقول لهم: إذا امتزجت الطبائع، فلا تخلو إما أن تمتزج لأنفسها، أو