والاستحباب، لأنه علم ذلك صلاحًا، ووقع في معلومه أنه لو قدر القربات بأسرها واجبات لكفر العباد، ونفروا عن أعباء التكليف، وجنحوا إلى الدعوة والتخفيف، فقدر الله تعالى ما هو الأصلح؛ قلنا: هذا تمويه يدحضه أدنى تنبيه؛ إذ فعل النوافل صلاح مدعوّ إليه، ولا سيبل له إلى إنكار ذلك.
ولا ينفعهم بعد تسليمهم هذا، ما استروحوا إليه من اعتبار الوقوع في المعلوم، فإنهم لا يعتبرون في وجوب الأصلح عندهم حكم العلم. وذلك قالوا: من علّم الله تعالى أنه لو يكلف لطغى وبغى ونفر وأشر واستكبر [1] ولو اخترمه قبل كمال عقله لفاز ونجا، فيجب على الله تعالى تعريضه للدرجة السنية مع علمه بأنه يعطى دون دركها. فهلا قالوا: لما كان فعل العقل صلاحا وجب إيجابه، من غير اكتراث بما يقع في المعلوم ولا مخرج [2] من ذلك. ولهم على كل طريق مراوغات لا يخفي فسادها على من أحاط علمًا بمضمون هذا المعتقد، وإنما ننص على كل طريقة على أغمض ما يموهن به.
ومما يعظم موقعه على هؤلاء، أن نقول: قضاؤكم بوجوب الأصلح على الله، ورطلكم في جحد الضرورات. وذلك أن الكتاب إذا بلغ أجله، وطوق كل امرئ عمله، وصار الكفار إلى الخلود في النار، وعلى@
(1) م عبارته: لطفى و عصى ونفر واستكبر
(2) ح، زاد لهم