الصفحة 99 من 761

وكان بجوار المريد بنت فدخل الشيطان بينهما حتى فجر بها وافتضها، فلم تقدر البنت على الصبر مع أنها هي طلبت منه الفعل لأنها تعلم أن الإفتضاض لا يخفى بعد ذلك، فأعلمت أباها فرفعه إلى الحاكم وقال: إن هذا فعل ببنتي كذا وكذا؛ فقال الحاكم للمريد: أتسمع ما يقول؟ فقال: صدق، قد فعلت ذلك. وكان مستحضرا للعهد الذي فارق الشيخ عليه فلم يقدر على الجحود والنكران. فلما سمع منه الحاكم ما سمع، قال هذا أحمق اذهبوا به إلى المارستان فإن العاقل لا يقر على نفسه بما يعود عليه بالضرر، فدخل المارستان ثم جاء من رغب الحاكم وشفع فيه فسرحوه.

يشير رضي الله عنه بهذه الحكاية إلى أن عاقبة قول الحق لا تكون إلا محمودة والله أعلم.

الثاني: الصبر، وهو نور في الذات ينفي عنها الإحساس بالألم والمصائب التي تلحقها في ذات الله عز وجل، وذلك هو الصبر الحقيقي الذي يكون بلا كلفة لاتساع عقل صاحبه بسعة فكره لكون الذات مفتوحا عليها فعقلها سارح في كمالاته تعالى التي لا نهاية لها، فإذا وقع للذات شيء من الألم شغلت عنه بالأمور التي الفكر فيها مشغول.

وقد وقع لبعض الصالحين وكان من الأكابر بل كان هو غوث زمانه، أنه دخل عليه أربعة رجال ليقتلوه ظلما وكان للولي المذكور جماعة من الولدان، فأخرجه أولئك الأربعة من داره وهو بين أهله وأولاده وجعلوا يجرونه وأولاده يضجون ويبكون، ولم يزالوا به حتى ذبحوه وفكره في ذلك مقبل على ما هو بشأنه وصدده ولم يلتفت قط إلى ما وقع به ولا إلى بكاء أولاده وصياح نسائه. فهذا من الصبر الغريب الذي لا يكاد يسمع به، وإذا كان هذا لأولياء أمته صلى الله عليه وسلم فكيف بصبره هو عليه الصلاة والسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت