وأما النبوة: فالأول من أجزائها قول الحق، وهو ينشأ عن نور في الذات يوجب لها هذا القول ويكون ذلك من سجيتها وطبيعتها، ولا يرجع عنه ولو كان فيه مخالفة الأحباب ومفارقة الأوطان، بل ولو كان فيه ضرب الأعناق. وقد طلب المشركون منه عليه الصلاة والسلام أن يرجع عن قوله وراودوه على ذلك بكل حيلة فأبى وامتنع، ثم نصبوا له العداوة ورموه عن قوس واحد فما زاده ذلك إلا تثبتا ورسوخا لأن الذات الشريفة مطبوعة على قول الحق لا يتصور عندها غيره.
ثم حكى رضي الله عنه حكايتين:
الأولى: أن في بعض بلاد العجم طيورا معلمة تكون على باب الدار، فإذا دخل السارق نطقت الطيور وقالت سرقوا بقاف معقودة، ولا يرجع ذلك الطير عن قوله ولو هدد وأشير عليه بالتخويف، وكذا لا يرجع إذا أعطي شيئا يؤكل، وبالجملة لا يرجع ولو قتل.
يشير رضي الله عنه بهذه الحكاية إلى تفسير معنى قول الحق، وإلى أن الخير بالتعلم لأن الطير مع بعده علم حتى صار هذا القول سجية له فكيف ببني آدم فكيف بالمؤمنين.
الثانية: أن بعض المريدين قال لشيخه: يا سيدي دلني على شيء يربحني مع الله عز وجل، فقال له الشيخ: إن أردت ذلك فكن شبيها له في شيء من أوصافه عز وجل فإنك إن اتصفت بشيء منها فإنه يسكنك يوم القيامة مع أوليائه في دار نعيمه، ولا يسكنك مع أعدائه في دار جحيمه. فقال المريد: وكيف لي بذلك يا سيدي وأوصافه تعالى لا تنحصر؟ فقال الشيخ: كن شبيهه في بعضها. فقال: وما هو يا سيدي؟ فقال: كن من الذين يقولون الحق فإن من أوصافه تعالى قول الحق، فإن كنت من الذين يقولون الحق فإن الله سيرحمك. فعاهد الشيخ على أنه يقول الحق وافترقا.